من الذي باع مَن؟.. قصة الساعات العاصفة التي أنهت أسطورة نتانياهو وهزت عرش التحالف المقدس
تقتضي الأمانة التاريخية، ونحن نرقب المشهد الجغرافيالسياسي المشتعل في هذا الشرق الحزين، أن نذهب مباشرة إلى عمق الجرح، دون مساحيق تجميل، ودون أن تأخذنا العاطفة بعيداً عن منطق الحقائق العارية ، إن ما جرى في الساعات الأخيرة بين واشنطن وطهران، برعاية باكستانية قطرية، ليس مجرد إتفاق لوقف إطلاق النار أو تفاهم عابر لفتح مضيق هرمز وممرات الملاحة الدولية؛ بل نحن أمام خط زلازل سياسي جديد يعاد رسمه على مصائر الأمم، وتتداخل فيه المصالح الإمبراطورية الكبرى مع حسابات صناديق الإقتراع في الداخل الأمريكي.
حين جلس دونالد ترامب وراء مكتبه ليعلن عبر وسائلة المفضلة خطوط إتفاق يونيو 2026، قائلاً بعبارته المعهودة: أيها العالم، أطلقوا محركاتكم، دعوا النفط يتدفق! ، لم يكن يوقع مجرد حبر على ورق في جنيف؛ بل كان يطلق رصاصة الرحمة على إستراتيجية كاملة عاشت عليها تل أبيب لعقود، وهي إستراتيجية الردع المطلق بالذراع الأمريكية،
هنا، وفي هذه اللحظة بالذات، إنفتحت بوابات الهستيريا في إسرائيل، وتصاعدت نبرة الإتهام التي لم يكن أحد يتخيل أن تخرج علناً من مطابخ القرار في تل أبيب ..دونالد ترامب خان إسرائيل،
لكي نفهم هذه الحالة من الصدمة الوجودية التي تعيشها النخبة الإسرائيلية، لا بد أن نقرأ بعيون مفتوحة طبيعة العقل السياسي لـدونالد ترامب ، ترامب ليس أيديولوجياً بالمعنى الكلاسيكي، هو لا يرى الشرق الأوسط بعيون تيودور هرتزل ولا بوعود التوراة، بل يراه بعيون رجل العقارات الذي يحسب الربح والخسارة بالدولار، وبعدد الأصوات في إنتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي باتت على الأبواب.
ترامب وصل إلى قناعة حاسمة: إن الحرب التي إشتعلت مع إيران في أوائل عام 2025 وحرب الإستنزاف التي تلتها، قد إستنفدت أغراضها، وأصبحت تهدد الإقتصاد العالمي، حيث قفزت أسعار النفط إلى ما فوق المائة دولار، وهددت بإنهيار الأسواق ،
ترامب كان يريد مخرجاً سريعاً ودراماتيكياً، يُسجل باسمه كـصانع سلام عظيم في يوم ميلاده الثمانين ، ولتحقيق هذا الهدف، لم يتردد في القفز فوق التحفظات الإسرائيلية؛ فقبل بوقف دائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما فيها جبهة لبنان والجنوب، وهو الأمر الذي كانت إسرائيل ترفضه بعناد،
أكثر من ذلك، العالم يتحدث عن تنازلات اللحظة الأخيرة التي قدمها ترامب تحت الضغط؛ حيث وافق على رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتسهيل التدفقات المالية لطهران ،الكلام يدور عن الإفراج عن 25 مليار دولار من الأصول المجمدة، مقابل وعود إيرانية بتهدئة الملف النووي وفتح المضيق دون رسوم مجحفة ، هذه المقايضة، في العرف الإسرائيلي، هي تفكيك كامل لمنظومة العقوبات الخانقة التي صرفت تل أبيب نصف عمرها الدبلوماسي لبنائها.
إن الهستيريا الإسرائيلية الراهنة لا تنبع من كراهية لترامب، بل من شعور بـ اليتم الإستراتيجي ، لسنوات طويلة، إعتبراليمين الإسرائيلي أن ترامب هو المخلص الذي نقل السفارة إلى القدس وإعترف بالسيادة على الجولان ، لكن الصدمة كانت مروعة حين إكتشفوا أن هذا المخلص نفسه مستعد لبيع أوراق الحليف في سبيل صفقة تضمن إستقرار النفط، وتمنع إنزلاق القوات الأمريكية في مستنقع حرب إقليمية واسعة لا يريدها دافع الضرائب الأمريكي.
إسرائيل تشعر بأنها إستُخدمت كأداة ضغط عسكرية لتطويع طهران، وعندما حانت لحظة جني الثمار، إستأثرت واشنطن بالصفقة، وتركت إسرائيل تواجه واقعاً مريراً: إيران لا تزال تحتفظ بـ 70% من ترسانتها الصاروخية، والإتفاق الجديد يمنح نظامها قبلة حياة إقتصادية بمليارات الدولارات، مما يعني إعادة بناء نفوذها الإقليمي وحلفائها في المنطقة برأس مال جديد،
ومن هنا جاءت النبرة الحادة والإتهامات المبطنة بالخيانة؛ فكيف يجرؤ الرئيس الأمريكي على كبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية في بيروت في اللحظة التي كانت تل أبيب تظن فيها أنها قادرة على حسم الصراع؟ وكيف يفرض عليها وقفاً لإطلاق النار يشمل جبهات تعتبرها حيوية لأمنها القومي؟
في وسط هذا الإعصار، يقف بنيامين نتانياهو كأكثر شخصية تراجيدية في المشهد الإسرائيلي الحالي ، إن كل الأساطير السياسية التي بناها نتانياهو طوال ربع قرن كانت تقوم على ركيزتين:
أنه الرجل الوحيد القادر على منع إيران من إمتلاك السلاح النووي، ولو إقتضى الأمر تدمير منشآتها،
أنه الساحر الذي يعرف كيف يدير عقول قادة البيت الأبيض ويطوع القرار الأمريكي لصالح الدولة العبرية،
اليوم، إنهار الجداران معاً،
ونتانياهو يواجه الآن ساعة الحساب الكبرى أمام الرأي العام الإسرائيلي ، لقد وعد الإسرائيليين بحرب خاطفة وحاسمة تسقط النظام في طهران، فإذ به يستيقظ على إتفاق يثبت أقدام هذا النظام، ويمنحه شرعية دولية جديدة، ويرفع عنه الحصار،
الشارع الإسرائيلي اليوم يعيش حالة من المرارة والخذلان، وهناك شعور متنامٍ بأن مغامرات نتانياهو العسكرية لم تجلب الأمن، بل عزلت إسرائيل دبلوماسياً، وجعلتها تبدو في عين حليفها الأكبر كـ كلب شرس على حد تعبير بعض الأوساط الأمنية الإيرانية ويحتاج إلى كبح لجامة حتى لا يفسد صفقة القرن الحقيقية.
إن العمر الإفتراضي لحكومة نتانياهو قد إنتهى سياسياًفالإنتخابات الإسرائيلية القادمة هذا العام لن تكون مجرد منافسة حزبية، بل ستكون محاكمة علنية لإرث نتانياهو ،الخصوم في اليمين واليسار يتأهبون للإنقضاض عليه، متسلحين بحقيقة أن الرجل الذي إدعى حماية إسرائيل، ترك ظهرها مكشوفاً أمام تحولات الإستراتيجية الأمريكية الكبرى.
إن ما نشهده اليوم هو الدرس القديم المتجدد في تاريخ العلاقات الدولية الدول الكبرى ليس لها حلفاء دائمون، بل لها مصالح دائمة
لقد إعتقدت تل أبيب لفترة طويلة أن حاجة واشنطن إليها هي حاجة وجودية وعضوية، وغاب عن بالها أن أمريكا في نهاية المطاف هي إمبراطورية تحكمها الجغرافيا الإقتصادية وحسابات القوة، وعندما تتعارض مصلحة الإمبراطورية في إستقرار الممرات المائية وتأمين أسواق الطاقة مع رغبات الحليف المحلي في التوسع وتصفية الحسابات، فإن الإمبراطورية ستختار نفسها دائماً وبلا تردد
إن زلزال جنيف ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمرحلة جديدة وصعبة، سوف تكتشف فيها إسرائيل ربما لأول مرة في تاريخها الحديث أنها قد تضطر للسير في حقل الألغام الشرق أوسطي وحدها، دون خطة إنقاذ أمريكية جاهزة، ودون غطاء جوي سياسي من البيت الأبيض. وهذا هو المأزق الكبير الذي لا تملك تل أبيب، ولا يملك بنيامين نتانياهو، أي إجابة عليه حتى الآن.