عندما تصبح المأساة مشهداً ... غزة والضفة ولبنان بين قهر الإحتلال والضمير الغائب

الموجز

تدعونا أدبيات العلوم السياسية وتاريخ الصراعات الكبرى دائماً إلى محاولة إقتناص لحظة الحقيقة ؛ تلك اللحظة الساطعة كشعاع ليزر، والتي تُعرّي الأزمات من مساحيق الدبلوماسية ولغة البيان الراديكالي العائم، لكي تضع المعضلة كلها تحت مجهر التاريخ.

ما نراه اليوم على أرض فلسطين المحتلة وتحديداً في قطاع غزة المكلوم، ومن خلفه الضفة الغربية والجوار اللبناني ليس مجرد حلقة جديدة في سلسلة المأساة الشرق أوسطية الطويلة، بل هو سقوط مدوٍ للمنظومة الأخلاقية والقانونية التي تأسس عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

نحن هنا لا نتحدث عن غضب ميداني عابر، بل عن جريمة ممتدة تجري تفاصيلها في بث مباشر على مرأى ومسمع من العالم.

 

 

إذا عدنا إلى الوثائق الحاكمة للمجتمع الدولي، وتحديداً إتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، سنجد أن بندها الأول يؤكد على حماية المدنيين في أوقات الحرب ، لكن الصورة الواقعية في غزة اليوم تقدم لنا مشهداً يعيدنا إلى عصور ما قبل قواعد حرب القرون

الوسطى ، عائلات بأكملها، بأطفالها وشيوخها، تنام على سَفَل التراب بين ركام المنازل المهدمة، دون سقف، ودون حد أدنى من المقومات الحياتية .

وتحويل الإحتياجات الإنسانية الأساسية إلى أدوات ضغط سياسي ومساومة إستراتيجية،

وهنا يُطرح السؤال الكبير الذي يفرضه الضمير الإنساني قبل أي تحليل سياسي ، أي دين، وأي شريعة سماوية، وأي قانون وضعي على وجه الأرض، يمكن أن يشرعن أو يرتضي بمثل هذا المشهد؟

إن المفهوم الإنساني في الفكر الإستراتيجي ليس مجرد شأن عاطفي؛ إنه الحد الأدنى الذي يحمي البشرية من الإنزلاق نحو الغابة ، وما يحدث في غزة اليوم هو تفكيك ممنهج وواعي لهذا الحد الأدنى.

وفي منتصف هذه الدراما الإنسانية، تطل علينا واقِعةٌ تصويرية تختصر العقدة النفسية والأيديولوجية للآلة العسكرية الإسرائيليةالمجرمة ، صورة نشرتها مجندتان إسرائيليتان تبتسمان بفرح وسرور بجوار شاب فلسطيني أسير، مجردٍ من حريته ومكبل بالقيود،

 

هذه الصورة ليست تفصيلاً عابراً، بل هي وثيقة إستعمارية.

إن اللقطة لا تستهدف الشاب الفلسطيني في شخصه فقط، بل تسعى لكسر الإرادة الرمزية للشعب بكامله،

كما أن النشر لهذه الصور على منصات التواصل الإجتماعي يعكس قناعة لدى مرتكبيها بأنهم فوق الحساب، وأن الضحية لا تملك من أمرها شيئاً.

إن التاريخ يعلمنا أن القوة الغاشمة عندما تفقد بُعدها الأخلاقي، تتجه تلقائياً نحو إستعراضات الكبرياء الجوفاء؛ وهو ما يُعد في العلوم السياسية مؤشراً على الإفلاس الأخلاقي والإستراتيجي المكتمل.

ليس المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية ببعيد عن هذه اللوحة المأساوية ، الضفة تخضع لعملية خنق هادئ ،

حيث مصادرة الأراضي مستمرة وتوسيع المستوطنات،

وتقطيع أوصال المدن بالمسالك والعديد من النقاط العسكرية،

إطلاق يد المستوطنين في مواجهة السكان المحليين العزل .

وبالإنتقال إلى المواطن اللبناني في الجنوب وعلى إمتداد الحدود، فإن المشهد لا يختلف في جوهره الإستراتيجي ، الإقليم كله يُساق إلى حالة من السيادة المستباحة، حيث تظل الطائرات والقصف العسكري مهدداً يومياً لحياة الأبرياء، في محاولة لإعادة فرض معادلات الردع بالحديد والنار دون إلتفات للتبعات الإنسانية.

إن القراءة الفاحصة لحركة التاريخ تؤكد حقيقة واحدة لا يمكن لبناء سياسي أو عسكري أن يستمر للأبد بإستناده فقط على القوة العارية وإهدار كرامة الإنسان.

إن غزة، بما تعيشه من وجع وإفتراش للطرقات، والضفة بما تعانيه من حصار، ولبنان بما يواجهه من تهديد، لا يدافعون فقط عن أرضهم، بل يضعون العالم كله أمام مرآته الحقيقية ، وسيبقى السؤال الذي يتردد صداه في أروقة التاريخ،

كيف سيشرح هذا العالم لأجياله القادمة أنه كان يملك أن يوقف الجريمة... وأختار أن يتفرج؟.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

عندما تصبح المأساة مشهداً ... غزة والضفة ولبنان بين قهر الإحتلال والضمير الغائب

بقلم ياسر بركات