هزيمة الغطرسة.. وثورة الأمريكان
تدخل المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران فصلاً جديداً من التخبط الاستراتيجي والانقسام الدولي، كاشفةً عن تصدعات عميقة في جبهة الحلفاء وعجز عسكري أمريكي أقرّت به أروقة البيت الأبيض، فوفقاً لما كشفته صحيفة "وال ستريت جورنال" مؤخراً، أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعديه باستعداده لإنهاء الحرب الحالية حتى لو ظل مضيق هرمز مغلقاً في معظمه أمام حركة الملاحة العالمية.
هذا التراجع الصادم جاء بعد تقييمات لإدارة ترامب خلصت إلى أن محاولة فتح هذا الممر المائي الحيوي بالقوة ستدفع أمد الحرب إلى ما بعد جدولها الزمني المحدد بأربعة إلى ستة أسابيع، مما أجبر واشنطن على تقليص طموحاتها والتركيز فقط على شل البحرية الإيرانية ومستودعات الصواريخ، مع ممارسة ضغوط دبلوماسية على طهران، ومحاولة إلقاء عبء فتح المضيق مستقبلاً على كاهل الحلفاء الأوروبيين والخليجيين إذا فشلت تلك الجهود.
هذا التراجع التكتيكي خلف الأبواب المغلقة يقابله تناقض حاد واستعراض فارغ في الخطاب العلني لترامب؛ فبينما تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن فتح المضيق ليس من الأهداف العسكرية الجوهرية، خرج ترامب مهدداً بإبادة محطات الكهرباء وآبار النفط الإيرانية وجزيرة خرج بالكامل إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع. وفي محاولة لفرض هذا التهديد، تواصل الإدارة الأمريكية حشد قواتها في المنطقة، حيث دخلت السفينة البرمائية "يو إس إس تريبولي" ووحدة المارينز الحادية والثلاثين إلى مسرح العمليات، مع وصول عناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً، ودراسة نشر ما يصل إلى 10 آلاف جندي إضافي، في وقت يدرس فيه ترامب مهمة معقدة للاستيلاء على احتياطيات اليورانيوم الإيرانية، فهذا هو هدفه الحقيقي من الحرب.
بيد أن هذا الحشد العسكري لم يمنع تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية لواشنطن وتل أبيب على الصعيدين المحلي والدولي. ففي الداخل الأمريكي، تشتعل الساحة بانتفاضة شعبية غير مسبوقة قوامها 10 ملايين أمريكي خرجوا ضد نظام ترامب ومطالبات باسقاطه، بالتوازي مع تصريحات لافتة لشخصيات أمريكية مؤثرة؛ حيث دعا الناشط والسياسي نيك فوينتس للصلاة من أجل إيران، معتبراً إياها تقاتل بالنيابة عن الإنسانية لحماية الشرق الأوسط من الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.
وفي السياق ذاته، أكد المعلق السياسي الأمريكي ديف سميث بجرأة أنه "إذا طبقنا المعايير التي تعرّف الإرهاب تعريفاً موضوعياً، سيكون الجيش الأمريكي والإسرائيلي أكثر تورطاً فيه من أي طرف آخر"، وهو ما يتطابق مع نجاح واشنطن في إجلاء أكثر من 40 ألف مواطن امريكي من المنطقة في أوسع عملية إجلاء تشهدها المنطقة منذ عقود، كدليل على استشعار نظام ترامب لخطر الهزيمة واحتمال تعرض المواطنين الامريكيين لخطر الاستهداف الانتقامي.
ولم يقف هذا النقد عند حدود الأصوات الشعبية، بل تمدد ليحدث شرخاً هائلاً في العلاقات الأوروبية والكنسية مع محور واشنطن وتل أبيب، فقد قاد بابا الفاتيكان ورئيسة وزراء إيطاليا هجوماً دبلوماسياً لاذعاً باتهام نتنياهو وترامب بالإرهاب والدموية في بيانات رسمية، خاصة بعد إقدام سلطات الاحتلال على خطوة استفزازية بإغلاق المساجد بما فيها المسجد الأقصى في رمضان وعيد الفطر، فضلاً عن إغلاق كنيسة القيامة في أيام أعياد المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وهو ما أثار غضب الفاتيكان والمجتمع الدولى كونه يتعارض مع القوانين الدولية بحماية المقدسات وعدم غلقها.
هذا التوتر انسحب أيضاً على العلاقات الفرنسية-الإسرائيلية؛ حيث صنفت تل أبيب فرنسا كـ "دولة معادية" وقررت إيقاف مشترياتها العسكرية منها بالكامل، رداً على المواقف الفرنسية المنتقدة للوحشية المفرطة في إدارة الصراع.
وفي المقابل، وعلى الجبهة الخليجية، تحطمت أوهام الإدارة الأمريكية في العثور على ممول لحروبها المأزومة. فقد وجه الدكتور عبد الخالق عبد الله، المستشار السياسي والأكاديمي البارز المقرب من دوائر صنع القرار في الإمارات، رسالة حاسمة ولاذعة للمتحدثة باسم البيت الأبيض، نسف فيها أي ادعاءات أمريكية تطالب دول الخليج العربي بتغطية الفاتورة الباهظة للحرب الدائرة مع إيران.
واعتبر عبد الله تلك المطالبات مجرد "تصريحات استعراضية للاستهلاك المحلي الأمريكي" لإرضاء قواعد ترامب الانتخابية، واصفاً إياها بالابتزاز المالي، ومطلقاً تغريدة قاطعة أعلن فيها أن ذلك لن يحدث أبداً "حتى في خيال أمريكا"، ليؤكد أن الخليج لن يكون صرافاً آلياً لتمويل حروب لم يشعلها.
إن مشهد الحرب في عام 2026 يعكس بوضوح بداية النهاية لعصر القطب الواحد المتغطرس؛ فبينما تفشل واشنطن في فرض إرادتها على مضيق هرمز وتلجأ للبروباجندا لتغطية عجزها. إن تضافر الرفض الخليجي الجماعي للتمويل، مع الانتفاضة الشعبية الأمريكية، والانقلاب الأوروبي على سياسات الإبادة، يضع ترامب ونتنياهو في مأزق تاريخي؛ حيث أثبت الواقع أن من يقرر إشعال نيران الحرب عليه أن يحترق بلهيبها وحيداً، دون أن يجد من يمنحه طوق النجاة أو يغطي له فواتير الدمار.