إستـ ـشهاد عز الدين الحداد .. وأوهام تصفية القضية الفلسطينية

ياسر بركات
ياسر بركات

حين نجلس اليوم أمام شاشات التاريخ، ونطالع دفاتر الحوادث الممتدة من جغرافيا الدم في قطاع غزة إلى غرف صناعة القرار في واشنطن، وتل أبيب، وعواصم الغرب الجماعي، نجد أننا لسنا أمام مجرد حدث عسكري عابر، أو تصفية جسدية لقائد ميداني كُتب أسمه بالرصاص والبارود ،إننا لكي نضع الأمور في نصابها الصحيح بغير أوهام وبغير تبسيط مخل، أمام لحظة كاشفة تعيد صياغة الصراع العربي الإسرائيلي، وتضع القضية الفلسطينية برمتها فوق مقصلة التصفية السياسية والجغرافية.


إغتـ ـيال القائد العسكري البارز عز الدين الحداد "أبو صهيب" على يد آلة الحرب الإسرائيلية، لم يكن مجرد عملية إقـ ـتناص لهدف مدرج على قوائم الإغـ ـتيالات؛ بل كان خطوة تنفيذية في إستراتيجية إسرائيلية أعمق،   إسرائيل تعتقد واهمة، أن قـ ـطع رؤوس المقاومة يمكن أن يؤدي بالضرورة إلى قطع دابر القضية.


في تقديري أن بنيامين نتنياهو ومجلس حربه كانوا يبحثون عن صورة نصر بأي ثمن ، الإغـ.ـتيال هنا يمثل محاولة إسرائيلية لتقديم إنجاز تكتيكي للجمهور الداخلي المأزوم، وإثبات أن سياسة الضغط العسكري الأقصى تؤتي ثمارها.


إسرائيل، برؤيتها القائمة على القوة العارية، إعتبرت الحداد صيداً ثميناً بإعتباره أحد العقول المدبرة لخطوط الدفاع والتنظيم الميداني، وتحديداً في لواء غزة وشمالها لكن، وكما علمتنا دروس التاريخ في هذه المنطقة، فإن العقل العسكري الإسرائيلي يقع دائماً في خطأ فادح ،هو يمتلك التكنولوجيا لكنه يفتقد الفلسفة ، يظن أن تصفية القائد تنهي الفكرة، بينما الفكرة في فلسطين تولد من جديد مع كل قطرة دم تسيل على التراب الوطني.


إن إستهداف القيادات الصلبة مثل الحداد، يعكس رغبة إسرائيلية عارمة في تدمير البنية التحتية البشرية لغزة، لجعل القطاع مكاناً غير قابل للحياة، وهو ما يصب في خانة التهجير القسري الصامت وتصفية القضية.


هذه الإغتـ.ـيالات، وإن كانت تمثل ضربة موجعة للمقاومة على المدى القصير، إلا أنها تفشل في تحقيق الهدف الإستراتيجي الأكبر، وهو القضاء على إرادة القتال، بل إنها تدفع بأجيال جديدة أكثر راديكالية إلى واجهة العمل المسـ ـلح.


إن القضية الفلسطينية أثبتت عبر ثمانية عقود أنها عصية على التصفية،
المخطط الإسرائيلي المدعوم بضوء أخضر أمريكي  يسعى إلى إستغلال اللحظة الراهنة لفرض واقع جديد،
وقضم الجغرافيا عبر إقامة مناطق عازلة وتقطيع أوصال قطاع غزة،
والضغط الإقتصادى والعسكري لدفع السكان نحو الهجرة،
 وشطب الحقوق السياسية من خلال إنهاء أي أفق لدولة فلسطينية مستقلة وتحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى قضية إنسانية إغاثية.


لكن هذا المخطط يصطدم بصخرة صلبة؛ فالشعور بالهوية الوطنية الفلسطينية في أعلى مستوياته التاريخية الآن، والإغتيالات لا تلغي هذا الشعور، بل تمنحه طاقة روحية وسياسية جديدة حيث الشهادة، وهي قيمة عابرة للحسابات المادية الصرفة.


إن حركة المقاومة الفلسطينية ليست جيشاً نظامياً كلاسيكياً ينهار بضربة رأس، بل هي تنظيم شبكي  وهذا النوع من التنظيمات، يجري تصميم الهياكل القيادية بحيث يتولى الصف الثاني والثالث المسؤولية فوراً وبشكل تلقائي عند غياب القائد، إستـ ـشهاد عز الدين الحداد، رغم ثقله العسكري، لن يؤدي إلى إنهيار منظومة الدفاع العسكري للمقاومة.

 على العكس، فإن شبكة القيادة والسيطرة أظهرت مرونة فائقة  في التكيف مع غياب القادة، مستفيدة من شبكة الأنفاق المعقدة واللامركزية في إتخاذ القرار الميداني.


وفي منطق التاريخ، هناك قانون يحكم حركات التحرر الوطني كلما زادت التضحيات، تعمقت الشرعية، فإغتـ ـيال القادة لا يضعف المقاومة إلا مؤقتاً من الناحية الفنية والتكتيكية، لكنه من الناحية الإستراتيجية والمعنوية يعيد شحن بطاريات الرفض والمواجهة.


الإغتـ ـيال يغلق الباب أمام أي مساومات سياسية مجانية، ويزيد من تصلب مواقف المقاومة في مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.


ويكرس صورة القائد الذي يشارك مقاتليه خندق المواجهة ويموت بينهم، وهو ما يمنح الحركة حاضنة شعبية وتلاحماً جماهيرياً لا يمكن تفكيكه بالبروباجندا الإسرائيلية.


إغـ ـتيالات القادة  تدفع الحركة نحو تطوير تكتيكات أكثر مباغتة وأقل اعتماداً على القيادة المركزية، مما يربك الحسابات الإستخباراتية الإسرائيلية المستندة إلى مراقبة الأشخاص.


إن ما يجري اليوم في فلسطين ليس مجرد حرب على فصيل أو إغتـ ـيال لقيادي، بل هو صراع على الوجود والمستقبل.


لقد ظنت إسرائيل، ومن خلفها قوى دولية مهيمنة، أن الفرصة سانحة لتصفية القضية الفلسطينية وإغلاق الملف إلى الأبد وسط صمت إقليمي وعجز دولي ، وجاء إغـ ـتيال عز الدين الحداد في سياق هذه المحاولة الكبرى، لكن القراءة المستنيرة للتاريخ، المدعومة حتى بتقديرات العقلاء في الغرب ، تقول إن الشعوب لا تموت، وإن قضايا الحق الوطني لا تسقط بالتقادم، ولا تتبدد بضربات الصواريخ، إن قطار التاريخ قد يتحرك ببطء، وتكلفته من الدماء قد تكون باهظة وتفوق الإحتمال، لكنه في النهاية يتحرك في إتجاه واحد إتجاه الحرية والإستقلال ورحم الله عز الدين الحداد، فقد أدى أمانته وصار جزءاً من وجدان هذه الأمة، وترك خلفه رجالاً يعرفون كيف يكملون الطريق، طال الزمان أم قصر.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

إستـ ـشهاد عز الدين الحداد .. وأوهام تصفية القضية الفلسطينية

بقلم ياسر بركات