فى ليلة ملتهبة جديدة العمق الإيراني يبتلع الغرور الأمريكى
لم تكن الساعات الأخيرة مجرد فصل جديد في الصراع الممتد بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي وإيران، بل كانت بمنزلة "زلزال تكتيكي" أعاد صياغة موازين القوى في المنطقة، ووضع الترسانة العسكرية الغربية في اختبار هو الأكثر قسوة منذ عقود.
فبينما كانت تل أبيب والقوات الأمريكية تحاول إستيعاب صدمة إستهداف منشآت حيوية في النقب والخليج، تحولت جبال إيران الوعرة إلى "ثقب أسود" أبتلع نخبة وحدات الإنقاذ والعمليات الخاصة الأمريكية، في مواجهة ميدانية كشفت عن تآكل حاد في قدرة واشنطن على فرض سيطرتها الجوية والعملياتية.
تتصدر المشهد الميداني تفاصيل "مهمة الإنقاذ المستحيلة" التي أطلقتها القيادة المركزية الأمريكية لإستعادة طاقم المقاتلة الإستراتيجية F-15 التي سقطت بنيران إيرانية، والمهمة التي أستعانت بمئات من قوات العمليات الخاصة وعشرات الطائرات الحربية والمروحيات، تحولت إلى "فخ تكنولوجي" وبشري.
وبالرغم من أستخدام الطيار لأجهزة أتصال آمنة عالية التشفير للتنسيق مع فرق الكوماندوز، إلا أن التنسيق المشترك بين الحرس الثوري والجيش والشرطة الإيرانية كان أسرع في إغلاق الأجواء وتحويل منطقة البحث إلى ساحة إستهداف مفتوحة.
كما كشف "مقر خاتم الأنبياء المركزي" عن حصيلة ثقيلة للجانب الأمريكي في جنوب أصفهان؛ حيث تم إسقاط طائرتي نقل جوي من طراز MC-130 المخصصة للعمليات الخاصة، وطائرة هجوم أرضي من نوع A-10 (الخنزير البري)، ومروحية خفيفة من طراز MH-6، بالإضافة إلى إصابة مروحيتين من نوع HH-60G Pave Hawk المتطورة والمخصصة لعمليات البحث والإنقاذ القتالي.
هذه الخسائر النوعية تؤكد أن "المظلة الدفاعية" الإيرانية لم تعد تكتفي بالدفاع السلبي، بل أنتقلت إلى مرحلة "الأصطياد النشط" للقطع الجوية الأمريكية الأكثر تحصيناً، وفي حين يصر الرئيس دونالد ترامب على "نجاح" القوات الأمريكية في إستعادة الطيار من الجبال الوعرة، تنفي طهران هذه الرواية جملة وتفصيلاً، معلنةً عن مكافأة مالية ضخمة لمن يسلم الطيار سالماً، مما يضع الرواية الأمريكية في مأزق المصداقية أمام الرأي العام العالمي.
بالتوازي مع الكابوس الجوي في إيران، أهتز العمق الإسرائيلي على وقع ضربات صاروخية دقيقة؛ حيث سقط صاروخ باليستي في منطقة النقب، مستهدفاً منشأة صناعية حيوية، والتقارير الواردة من وسائل إعلام العدو الصهيوني تثير الرعب في الأوساط المحلية، مع إطلاق تحذيرات جدية من خطر تسرب مواد كيماوية سامة نتيجة القصف، مما يهدد بكارثة بيئية وصحية واسعة النطاق في المناطق المحيطة. هذا الإستهداف يثبت أن الصواريخ الإيرانية تجاوزت منظومات الدفاع الجوي "حيتس" و"مقلاع داوود"، لتضرب عصب الصناعات الحساسة التي كان يُنظر إليها كأهداف محصنة بعيداً عن الجبهات التقليدية.
وفي الشمال، لم تهدأ صفارات الإنذار في قاعدة "ميرون" الإستراتيجية ومحيطها، وهي القاعدة التي تعد "عين إسرائيل" الإستخباراتية والجوية، ويكشف أستمرار دوي الصفارات عن حالة من العجز في تحييد التهديدات الصاروخية والمسيرات التي تنطلق بالتنسيق مع جبهات الإسناد، مما يعزز فرضية "وحدة الساحات" التي تدار بغرفة عمليات مشتركة تهدف إلى تشتيت الإنتباه الإسرائيلي وإستنزاف قدراته الدفاعية في الشمال والجنوب والعمق في آن واحد.
لم تقتصر تداعيات الحرب على الميادين العسكرية المباشرة، بل أمتدت لتطال أمن الطاقة العالمي؛ حيث أعلنت الكويت عن تعرض شركة البترول والصناعات الكيماوية لإستهداف إيراني مباشر. هذا التطور يمثل نقلة خطيرة في بنك الأهداف الإيراني، حيث يعني الإنتقال من ضرب القواعد العسكرية إلى ضرب البنى التحتية الإقتصادية للدول التي توفر تسهيلات لوجستية أو عسكرية للقوات الأمريكية، فتدمير أو تعطيل منشآت النفط والكيماويات في الخليج يبعث برسالة واضحة مفادها أن استقرار الأسواق العالمية هو رهن بوقف الهجمات على الأراضي الإيرانية، وأن أي إعتداء ستقابله كلفة إقتصادية باهظة ستتحملها دول الإقليم والعالم بأسره.
إن القراءة التحليلية لهذه الأحداث المتسارعة تشير إلى حقيقة واحدة: "الردع" الذي راهنت عليه واشنطن وتل أبيب لعقود قد تحطم أمام تكنولوجيا الدفاع الجوي المحلية الإيرانية ودقة الصواريخ الباليستية، سقوط نخبة الطائرات الأمريكية مثل MC-130 وA-10 في مهمة إنقاذ فاشلة يرسل إشارة "رعب" للطيارين والمخططين العسكريين في البنتاجون؛ فالمجال الجوي الإيراني لم يعد ممرًا سهلاً للعمليات الخاصة، بل بات "مقبرة" لأحدث ما أنتجته مصانع السلاح الغربية.
من جانب آخر، فإن الإنتقال لإستهداف المنشآت الكيماوية في النقب وشركات البترول في الكويت يضع المنطقة أمام سيناريو "الأرض المحروقة"، إيران اليوم تفرض معادلة جديدة: "لا أمن لأحد إذا لم تكن طهران آمنة"، ومع تضارب الأنباء حول مصير الطيار الأمريكي المفقود، وتصاعد التهديدات الكيماوية في إسرائيل، يبدو أن المنطقة تتجه نحو صدام شامل قد لا تنجح فيه الدبلوماسية هذه المرة، خاصة مع إصرار ترامب على "الشو الإعلامي" في مواجهة الحقائق الميدانية القاسية التي تفرضها صواريخ ومسيرات الحرس الثوري والجيش الإيراني. إنها "حرب الإرادات" التي بدأت فيها تكنولوجيا الشرق تكسر كبرياء الغرب، محولةً الخليج والنقب والجبال الإيرانية إلى شواهد على نهاية حقبة الهيمنة المنفردة.