قراءة في وثائق الإتفاق الحرج .. ومصير الشرق الحزين
تأتي إلينا الأنباء من عواصم القرار الدولي، ، لتؤكد أننا لسنا أمام مجرد إتفاق مؤقت أو تسوية عابرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ بل نحن أمام ما يمكن تسميته بـ الهندسة الجيوسياسية الجديدة لمنطقة قُدّر لها ألا تنام.
إن القارئ للمشهد في هذه الأيام، يلمس بوضوح خطوط هذا المشهد الدراماتيكي ، إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعد أسابيع من المواجهات العسكرية والقصف والحصار البحري، تحاول صياغة معادلة حرجـة تُعرف في أروقة البيت الأبيض ب الإنقاذ مقابل الأداء، وعلى الجانب الأخرنرى القيادة الإيرانية ، محملة بقرون من الإرث الفارسي والحذر الشديد، وهي تفاوض وعينها على كبريائها القومي ومصالحها الحيوية.
إن المسوّدة المطروحة حالياً، والتي جرى تداولها عبر وسطاء إقليميين ورعتها جولات مضنية في إسلام آباد ومسقط، تقوم على مهلة 60 يوماً، وهي مهلة مشحونة بالبارود والتفاهم والأمل معاً. وتتخلص التفاصيل الشائكة في
إلتزام إيران بإعادة فتح مضيق هرمز الإستراتيجي فوراً، وتطهيره من الألغام البحرية التي زرعتها، والسماح بمرور حركة التجارة الدولية دون رسوم أو تفتيش تعسفي.
في المقابل، ترفع الولايات المتحدة حصارها المضروب على الموانئ الإيرانية، وتمنح إستثناءات تتيح لطهران إستئناف تصدير نفطها بحرياً، فضلاً عن الإفراج التدريجي عن مليارات الدولارات من الأرصدة الإيرانية المجمدة في البنوك العالمية.
ووقف إطلاق النار والأعمال العدائية على كافة الجبهات والمحاور، بما يشمل الجبهة اللبنانية المشتعلة بين إسرائيل وحزب الله، وهنا يكمن العقد الفريد في هذه الإتفاقية؛ إذ تحاول واشنطن تحويل هذه المهلة الزمنية إلى جسر عبور نحو معالجة القضية الأم: الملف النووي الإيراني.
إذا دلفنا إلى جوهر الخلاف، وبحثنا في مصير الطموح النووي الإيراني سنجد أننا أمام جدار صلب من التناقضات الإستراتيجية، وتصر الإدارة الأمريكية، مدفوعة بضغوط داخلية وخارجية، على إنتزاع تعهد إيراني بـ صفر تخصيب فضلاً عن تسليم أو نقل المخزون إلى بلد ثالث،
أما المنظور الإيراني، يرى في التخصيب حقاً سيادياً لا يمكن التنازل عنه ، إيران قد تقبل شفهياً أو تكتيكياً بوضع قيود على حجم التخصيب، وتقديم إلتزامات صارمة بعدم السعي لإنتاج السلاح النووي، لكنها ترفض بشكل قاطع تسليم مخزونها قبل الحصول على رفع دائم ومضمون لكافة العقوبات الإقتصادية ، إنها معركة إرادات تُخاض بالغرامات والميكروبات الدقيقة في أجهزة الطرد المركزي.
وفي هذه اللوحة المعقدة، يظهر الإحتلال الإسرائيلى ليس كطرف معترض فحسب، بل كقوة رافضة بجنون لهذه التفاهمات ، إن القراءة المتأنية للتقارير الواردة من تل أبيب تشير إلى أن القيادة الإسرائيلية المجرمة ترى في هذا الإتفاق خديعة كبرى تمنح طهران طوق نجاة إقتصادي، وشرعية إقليمية، دون إستئصال حقيقي للخطر النووي.
ترى إسرائيل أن تعهد إيران الشفهي بوقف التخصيب المؤقت هو ذر للرماد في العيون ، طالما أن المعرفة التكنولوجية والعلماء وأجهزة الطرد لا تزال قاطعة في مكانها، مما يتيح لإيران الوثب نحو القنبلة في أي لحظة مستقبلاً،
كما تخشى تل أبيب أن يؤدي إنسياب الأموال والنفط مجدداً إلى شرايين الإقتصاد الإيراني إلى إعادة تقوية محور المقاومة من جنوب لبنان إلى صنعاء، مما يعيد تهديد أمنها المباشر بعد المواجهات العنيفة الأخيرة ، لذلك، تتحرك الدبلوماسية الإسرائيلية في واشنطن بضراوة، ملوحة بأن الخيار العسكري المنفرد لا يزال على الطاولة إذا لم يتضمن الإتفاق تفكيكاً كاملاً لترسانة إيران الصاروخية والنووية.
عندما ننظر إلى الأثر المتردد لهذا الإتفاق على سلام المنطقة، نجد أنفسنا أمام قراءتين متناقضتين في الفكر الإستراتيجي الدولي
القراءة الأولى وهى المتفائلة ترى أن هذه التفاهمات، برغم هشاشتها، قد تمثل صمام أمان يمنع إنزلاق الشرق الأوسط نحو حرب إقليمية شاملة ومدمرة تلتهم آبار النفط وتهدد الإقتصاد العالمي، وفتح مضيق هرمز ووقف النيران في لبنان يمنح المنطقة أنفاساً مستقطعة قد تسهم في بناء جدار من الثقة المتبادلة،
القراءة الثانية وهى الواقعية الحذرة تذهب إلى أننا لسنا بصدد سلام دائم، بل نحن أمام هدنة محاربين مؤقتة ، فالأسباب العميقة للصراع التاريخي، والتنافس على قيادة الإقليم، والمخاوف الأمنية المتبادلة، كلها تظل قائمة وملتهبة تحت الرماد.
إن المحصلة النهائية أن هذا الإتفاق الأمريكي الإيراني ليس نهاية المطاف، بل هو المبتدأ في كتاب صراع طويل وممتد،
المنطقة اليوم تقف على حد السيف؛ فإما أن تنجح الدبلوماسية الحذرة والمقايضات الذكية في العبور بالشرق الأوسط نحو ضفة من الإستقرار النسبي، وإما أن تصدق المخاوف والإعتراضات الإسرائيلية، فتنتهي مهلة الستون يوماً دون حل لمعضلة الذرة الإيرانية، لتعود مدافع الحرب وتدوي من جديد فوق مياه الخليج وبحار الشام ، إنه صراع ممتد، تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ، والنفط بالسياسة، والذرة بالسيادة، في إقليم كُتب عليه دائماً أن يعيش على حافة البركان.