هرمز على حافة الإنفجار… بين إحباط ترامب ومقامرة طهران

ياسر بركات
ياسر بركات

في لحظة تبدو فيها خرائط الشرق الأوسط وكأنها تُعاد رسمها تحت ضغط النار والدخان، تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مستوى غير مسبوق. ليس فقط لأن السلاح حاضر، بل لأن السياسة نفسها أصبحت أداة إشتباك، ولأن الرسائل المتبادلة بين الطرفين لم تعد دبلوماسية بقدر ما هي تهديدات مغلفة بعبارات إستراتيجية.


منذ إندلاع حرب 2026، دخلت العلاقة بين واشنطن وطهران طورًا جديدًا، يتجاوز مجرد الخلاف حول البرنامج النووي، إلى صراع مفتوح على النفوذ والسيطرة، وتحديدًا في نقطة الإختناق الأهم عالميًا مضيق هرمز.


الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على فكرة الصفقة الأفضل، يبدو اليوم أقرب إلى رجل فقد صبره ،عبّر ترامب صراحة عن عدم رضاه عن المقترحات الإيرانية الأخيرة، بل ذهب إلى حد القول إن الولايات المتحدة قد تكون أفضل حالًا بدون إتفاق

 

هذا التحول ليس مجرد تصريح عابر، بل يعكس حالة إحباط إستراتيجية فواشنطن، التي راهنت على الضغوط القصوى لإجبار طهران على تقديم تنازلات، تجد نفسها أمام نظام إيراني لم ينكسر، بل أعاد التموضع، ورفع سقف التحدي


وترجم هذا الإحباط إلى تصعيد في الخطاب، وصل إلى حد توجيه رسائل مباشرة إلى الداخل الإيراني، عبر الحديث عن حق الشعب الإيراني في مقاومة الحرس الثوري، وهي صيغة تحمل في طياتها محاولة لتحريك الداخل، أو على الأقل الضغط النفسي على بنية النظام.


في المقابل، لم تقف طهران موقف المتفرج، الحرس الثوري الإيراني، الذي يمثل الذراع الأكثر تشددًا في النظام، أختار ساحة البحر لتوجيه رسائله، فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى منصة إشتباك يومي.


إيران إعتمدت تكتيك التحرش البحري المتكرر، عبر إستهداف السفن الأمريكية أو تهديدها بالصواريخ والطائرات المسيرة، في محاولة لفرض معادلة ردع جديدة ، وقد وصل عدد هذه الحوادث  وفق تقديرات غير رسمية متداولة إلى نحو عشر مواجهات أو عمليات إعتراض، ما يعكس إصرار طهران على إختبار حدود القوة الأمريكية.


بل إن بعض التقارير تشير إلى أن إيران أطلقت صواريخ باتجاه سفن أمريكية لمنعها من دخول المضيق، في رسالة واضحة مفادها أن السيطرة على هرمز ليست مجرد إدعاء سياسي، بل واقع تحاول طهران فرضه بالقوة. 


في خضم هذا التصعيد، برزت فكرة تدويل الأزمة عبر الأمم المتحدة، مع دعوات غربية لفرض حرية الملاحة بالقوة إذا لزم الأمر، إلا أن هذه الفكرة إصطدمت سريعًا بحسابات القوى الكبرى.


الصين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، لوّحت بإستخدام حق النقض ضد أي قرار يسمح بإستخدام القوة، في محاولة لمنع تحول المضيق إلى ساحة مواجهة دولية مفتوحة، هذا الموقف يعكس ليس فقط حرص بكين على مصالحها الإقتصادية، بل أيضًا رغبتها في كبح النفوذ الأمريكي.


في هذا السياق، تكتسب زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى الصين دلالة خاصة، فالتوقيت ليس بريئًا، بل يأتي في لحظة تبحث فيها طهران عن مظلة سياسية وإقتصادية توازن الضغوط الأمريكية.
ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران لا يمكن وصفه بحرب شاملة، ولا يمكن أيضًا إعتباره  مجرد توتر تقليدي، إنه نموذج لما يمكن تسميته بـالحرب الرمادية؛ حيث تختلط العمليات العسكرية المحدودة بالضغوط الإقتصادية، وتتكامل مع الحرب النفسية والإعلامية.


إن الطرفين لا يرغبان في حرب شاملة، لكنهما في الوقت نفسه غير قادرين على التراجع، فترامب الذي يواجه ضغوطًا داخلية، يحتاج إلى إظهار الحزم، بينما ترى إيران أن أي تراجع الآن سيُفسر كضعف إستراتيجي.


تبدو الأزمة وكأنها لعبة خطرة على حافة الهاوية ، كل طرف يدفع إلى الأمام، لكنه لا يريد السقوط ، غير أن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه الألعاب كثيرًا ما تنتهي بخطأ حسابي واحد، قد يشعل مواجهة لا يريدها أحد.


وهنا، ربما يكون السؤال الأهم ليس هل ستندلع الحرب؟
بل هل ما يحدث الآن هو بالفعل شكل جديد من الحرب… لم نعد بحاجة لإعلانها رسميًا؟

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

هرمز على حافة الإنفجار… بين إحباط ترامب ومقامرة طهران

بقلم ياسر بركات