سرقة الثمار واقتلاع التاريخ... حينما تتحول الشجرة إلى جبهة مواجهة
إن شجرة الزيتون في الضفة الغربية ليست مجرد شجرة، بل هي الرمز الأعمق لعلاقة الفلسطيني بأرضه عبر آلآف السنين. حين ننظر إلى جبال نابلس، وقرى سلفيت، ورام الله، وقمم الخليل، لا نرى أغصاناً وثماراً فحسب، بل نرى شواهد على حضارة متجذرة ضربت جذورها في أعمق طبقات الأرض قبل أن يحط المشروع الاستيطانى الاستعماري أقدامه على هذه الجغرافيا. واليوم، حين يتحول موسم حصاد الزيتون من عيد للخير والعمل إلى ساحة للحرب والاستنزاف، فإن التاريخ يسجل صفحة أخرى من صفحات الانتهاك الممنهج.
لم يعد الكلام عن سرقة المحصول واستهداف المزارعين الفلسطينيين مجرد حديث عاطفي أو ادعاءات تُلقى في السجالات السياسية؛ بل
وثقت التقاريرشهادات مأساوية عن موسم الزيتون في الضفة الغربية. كيف يُمنع آلاف المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم القريبة من المستوطنات إلا بتصاريح شاقة، وغالباً ما يُفاجأ المزارعون عند وصولهم بأن أراضيهم قد جُرِّدت تماماً من ثمارها على أيدي الجماعات الاستيطانية، أو تم قطع أشجارها المعمرة التي تبلغ أعمارها مئات السنين.
إن ما يحدث في مواسم الحصاد ليس تصرفات فردية معزولة، بل سياق متكامل من عنف المستوطنين المدعوم من الدولة. حيث تُقطع الطرق، وتُحرق البساتين، وتُسرق أكياس الزيتون بعد أن يكون الفلاح الفلسطيني قد أمضى عاماً كاملاً في رعايتها وحمايتها.
توثق مكاتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابعة للأمم المتحدة مئات الحوادث سنوياً التي تتنوع بين إحراق الأشجار، واستخدام الأسلحة النارية لترهيب العائلات الفلسطينية أثناء الحصاد، وسرقة المعدات والمحاصيل جهاراً نهاراً.
إن الفلسفة التي قامت عليها حركة الاستيطان هي فلسفة الإحلال والاستبدال؛ أي نفي صاحب الأرض الأصلي لإفساد علاقته بالتراب. وحين أدرك مخططو الاستيطان أن الفلسطيني يزداد تمسكاً بأرضه كلما اشتدت عليه التحديات، تحول الهدف إلى محاربة وسائل عيشه المقترنة بتلك الأرض.
تخيلوا هذا المشهد الذي تنقله التقارير الميدانية:
عائلة فلسطينية، تضم الشيخ الكبير والمرأة والأطفال، تخرج مع ساعات الفجر الأولى متجهة إلى حقلها. تبدأ العائلة في قطاف الثمار حبة بحبة، وفي لحظة خاطفة تنقض مجموعات المسلحين من المستوطنين القادمين من البؤر الاستيطانية المجاورة. يُطرد صاحب الأرض تحت تهديد السلاح، وتصادر أكياس الزيتون التي جمعها بجهده ودمعه .
إن العجب لا يكمن في وقوع الحادثة، بل في طبيعة التغطية والغطاء الذي تجري فيه؛ إذ أن القوات العسكرية الموجودة في الموقع كثيراً ما تتدخل ليس لحماية الضحية أو توقيف المعتدي، بل لإعلان المنطقة منطقة عسكرية مغلقة وطرد الفلاح الفلسطيني منها،
لا تقتصر آثار سرقة محصول الزيتون على البعد الوجداني والنفسي، بل تمتد لتضرب عصب الاقتصاد المحلي الفلسطيني.
يُشكل قطاع الزيتون أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الزراعي في الضفة الغربية، حيث تعتمد عليه عشرات الآلاف من الأسرة كمصدر دخل أساسي .
والزيتونة في الوجدان الفلسطيني هي رمز الصمود والبقاء؛ فزراعتها والعناية بها فعل مقاَومة يربط الأجيال المتعاقبة بالتراب الآباء والأجداد.
يهدف التدمير المنظم لهذه الأشجار وسرقة ثمارها إلى دفع المزارع إلى اليأس، وتجريده من قدرته على الصمود، تمهيداً لهجر أراضيه لتصبح صيداً سهلاً للتوسع الاستيطاني.
إن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه أمام هذه المشاهد هو: أين هو النظام الدولي وقواعد القانون الدولي الإنساني؟
تحدد اتفاقيات جنيف بشكل صريح مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال في حماية السكان المدنيين وممتلكاتهم. غير أن الواقع الميداني، كما تؤكده الدوائر الحقوقية الدولية، يشهد حالة مستمرة من الإفلات من العقاب. إن سرقة شجرة الزيتون ليست حادثة عارضة، بل هي جزئية صغيرة ضمن لوحة أوسع تستهدف تغيير الملامح الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية.
أن الشعوب المتمسكة بأرضها لا يمكن هزيمتها عبر مصادرة الثمار أو تقطيع الأشجار قد يُسرق المحصول في موسم، وقد تُقطع الشجرة في ليلة، لكن الفلاح الذي غرس الجذور يعود دائماً ليزرع من جديد.
إن معركة الزيتون في فلسطين هي معركة بين إرادة البقاء الأصيلة وبين قوى الاقتلاع الطارئة. ومهما بلغت خيبة الرجاء في المواقف الدولية، فإن الحقائق على الأرض تظل ثابتة ، والأرض تعرف أصحابها الحقيقيين الذين سقتها دماؤهم وعرقهم عبر القرون.