بين العبور والثغرة.. الحقيقة الكاملة لمعركة المزرعة الصينية

ياسر بركات
ياسر بركات

تقف منطقة المزرعة الصينية  وهو الاسم التكتيكي الذي أطلقته الخرائط العسكرية الإسرائيلية على محطة التجريب الزراعي اليابانية شمال شرقي البحيرات المرة  كبؤرة جغرافية شهدت أشرس وأعتى معارك الدبابات والمشاة في التاريخ المعاصر .
إن قراءة هذه الملحمة اليوم لا تعتمد فقط على الرواية الوطنية المصرية، بل تجد سياقها الأعمق والأكثر إثارة عند استقراء ما كشفت عنه الأرشيفات الدولية المفرج عنها. 
في منتصف شهر أكتوبر 1973، وبعد أن استوعبت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية صدمة العبور المصري والتصرف المباغت للقوات المسلحة بخرق خط بارليف، أدرك المستشارون العسكريون في تل أبيب بالتنسيق والتشاور المستمر مع دوائر التخطيط في واشنطن  أن البقاء في حالة الدفاع الثابت شرق القناة يمثل استنزافاً خطيراً للعمق الإسرائيلي وللروح المعنوية للجبهة الداخلية.
تل أبيب كانت في حاجة ماسة إلى حركة مسرحية استراتيجية أو عملية هجومية مضادة تغير ميزان القوى القائم قبل فرض وقف إطلاق النار من قبل مجلس الأمن.
كان القرار هو إطلاق عملية أبيري ليف أو الرجال الأشداء، وهي خطة محاولة التسلل والتطويق عبر ثغرة الدفرسوار للوصول إلى الضفة الغربية للقناة. تقرر أن يقود أرييل شارون بفرقته المدرعة رأس الحربة، بمساندة من فرقة أبراهام أدان وفرقة كالمان ماجن. إلا أن الممر الضيق والمؤدي إلى القناة كان محكوماً بالسيطرة النارية والتمركز الميداني الصلب للفرقة 16 مشاة والفرقة 21 المدرعة المصرية. وهنا بدأت المأساة التكتيكية للجانب الإسرائيلي.
تصف تقارير ، المزرعة الصينية بين يومي 15 و18 أكتوبر بأنها تحولت إلى مصيدة مدرعات حقيقية. لقد اندفعت الألوية المدرعة الإسرائيلية مدعومة بمظليين محمولين بغرض فتح محاور (طريقي أكافيش وتيرتور) من أجل ترميم الجسور وجلب معدات العبور إلى الضفة الغربية.
غير أن الوثائق تؤكد أن القوات المصرية لم تكن تسعى فقط إلى الدفاع عن مواضعها، بل كانت تدير شبكة دفاعية معقدة ومحكمة تشمل الاعتماد المكثف على صواريخ  (الساجر) التي يحملها أفراد المشاة بكفاءة عالية.

،T-55 وT-62     دمج نيران دبابات 
مع المدفعية الثقيلة لتكوين مناطق قتل نارية محددة مسبقاً.
إن حجم النيران المتشابكة وكثافة القصف في هذه المساحة المحدودة بلغا معدلات غير مسبوقة في الصراعات الشرق أوسطية. وأوضحت التقارير أن اللواء 14 مدرع واللواء 247 مظلات إسرائيليين تعرضا لكثافة نارية شلت قدرتهما على المناورة.
وأبدت الكتائب المصرية  ثباتاً تكتيكياً فارقاً، حيث استطاعت تدمير وإعطاب أكثر من 100 دبابة ومدرعة إسرائيلية في ليلة واحدة فقط (ليلة 15-16 أكتوبر)، مانعةً القوات المهاجمة من فتح الطرق الرئيسية وإحكام السيطرة على المحاور.
لم تقتصر ضراوة القتال على الضفة الشرقية لحجم المزرعة، بل امتدت الشرارة إلى المعارك التي دارت على الضفة الغربية للقناة في مناطق سرابيوم، والإسماعيلية، وجبل مريم، لمنع القوات المتسللة من إتمام تطويق الجيش الثالث الميداني أو إسقاط القواعد الخلفية للجيش الثاني.
القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية أدارت العمليات بمزيج من معارك الصمود والتصدي الشرس. خاضت وحدات المشاة والصاعقة المصرية قتالاً من بيت لبيت ومن شجرة إلى شجرة في المناطق الزراعية والمباني السكنية.


لقد أظهر المقاتل المصري في معارك المزرعة الصينية ومحيطها قدرة استثنائية على الصمود في القتال القريب؛ حيث خاضت صغار التشكيلات من المشاة المدعومة بالأسلحة المضادة للدبابات معارك استنزافية ضد ألوية مدرعة كاملة، مما كبّد القوات الإسرائيلية خسائر فادحة في الأرواح والمعدات وحال دون تحقيق هدفها السريع بأسقاط مدينة الإسماعيلية أو شل حركة الجيش الثاني الميداني.
إن معركة المزرعة الصينية تعد النموذج الأبرز للصدمة التكتيكية التي تعرض لها الفكر العسكري الإسرائيلي القائم على التفوق السريع والدبابات والملاحة الحرّة.
اعترف أرييل شارون في مذكراته الشخصية بأن المزرعة الصينية كانت مأساة وساحة مجزرة مرعبة ، حيث تناثرت مئات الجثث والدبابات المحترقة على امتداد الرقعة بين البحيرات المرة والمزرعة.
وعلى الرغم من تمكن القوات الإسرائيلية لاحقاً من عبور أعداد من قواتها إلى الضفة الغربية عبر الممر الضيق، إلا أن الثمن الفادح الذي دفعته في المزرعة الصينية أفقد عملية الثغرة أهدافها السياسية والاستراتيجية الكبرى، وجعل القوات الإسرائيلية غرب القناة في وضع عسكري حرج ومحاصر بنيران المدفعية وحائط الصواريخ المصري، مما أجبر إسرائيل في نهاية المطاف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات في مباحثات الكيلو 101 وقبول وقف إطلاق النار.
إن ما جرى في المزرعة الصينية على أرض سيناء لم يكن مجرد اشتباك عسكري عادي بين دبابات ومدفعية، بل كان صراع إرادات استراتيجياً بين إرادة التحرير المصرية وسعي إسرائيل لاستعادة هيبتها الردعية.
لقد أثبتت هذه المعركة أن المقاتل المصري، عندما يتحلى بالتخطيط العلمي المتقن والعقيدة القتالية الصلبة، قادر على إبطال مفعول التكنولوجيا الحديثة والمفاجآت التكتيكية. فتلك البقعة الصحراوية تحولت بفضل صمود الجنود إلى شاهد تاريخي على تحطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر.
تظل المزرعة الصينية عنواناً بارزاً لملحمة صمود استثنائية، أرادت منها إسرائيل أن تكون بوابةً للالتفاف وكسر الإرادة المصرية، فصارت مقبرةً وشهادة على قدرة الشعب والجيش على صيانة أرضه وفرض إرادته السياسية والعسكرية.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

اليوم الذي حبس فيه العالم أنفاسه.. أسرار صدمة الطاقة من الرياض والقاهرة إلى البيت الأبيض

بقلم ياسر بركات