هل انكسرت "هيبة" واشنطن أمام صمود طهران؟
15 دقيقة هزت عرش "السمسار" الأمريكى
في لحظة تاريخية فارقة، شهدت أروقة الفنادق الفاخرة في جنيف ما يمكن وصفه بـ "الزلزال السياسي" الذي أعاد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. لم يكن الأمر مجرد جلسة مفاوضات فاشلة، بل كان صداماً للحضارات السياسية، حيث اصطدمت الغطرسة الأمريكية التي يمثلها ستيف ويتكوف بصخرة السيادة الإيرانية التي جسدها عباس عراقجي في انسحاب مهين للإدارة الأمريكية، لم يستغرق سوى 15 دقيقة!
دخل الوفد الأمريكي برئاسة ويتكوف، مدفوعاً بعقلية رجل العقارات التي يتبناها ترامب، ظنّاً أن المفاوضات هي مجرد عملية إملاء شروط على طرف مهزوم، ولكن الرد الإيراني جاء صاعقاً؛ فقبل أن تبرد القهوة على الطاولات، كان عراقجي قد وضع النقاط على الحروف وانسحب لـصلاة الظهر، تاركاً الوفد الأمريكي في نادي النفط يواجه حالة من الذهول والتخبط. هذا الانسحاب لم يكن مجرد حركة دبلوماسية، بل كان رسالة مفادها: "نحن لا نتفاوض تحت التهديد، ولا نبيع سيادتنا في صفقات مشبوهة".
الشروط الأمريكية التي تم تسريبها وصفت بأنها انتحار سياسي لأي دولة تقبل بها؛ هدم المفاعلات النووية (فوردو، نطنز، أصفهان)، تسليم اليورانيوم، واتفاقية أبدية بلا مخرج، مقابل تخفيف عقوبات بالقطارة. لقد أرادت واشنطن استسلاماً كاملاً، فردت طهران بـ "رفض مطلق"، واضعةً واشنطن في مأزق "الخيارات الصفرية".
بينما كان ترامب يحاول استعراض عضلاته في جنيف، كان الداخل العسكري الأمريكي يغلي. إقالة فريد كاتشر مدير هيئة الأركان قبل ساعات من المفاوضات لم تكن صدفة، بل كانت اعترافاً ضمنياً بأن المؤسسة العسكرية الأمريكية لم تعد قادرة على تحمل "مغامرة" غير محسوبة العواقب.
التقارير الواردة من حاملة الطائرات جيرالد فورد ترسم صورة بائسة لجيش يعاني من الاستنزاف النفسي والانهيار ،عندما يلجأ البحارة الأمريكيون لتعطيل سفينتهم هرباً من مواجهة إيران، وعندما تنفذ الذخيرة في مخازن واشنطن بسبب الدعم المفرط لأوكرانيا وإسرائيل، فإننا لا نتحدث عن قوة عظمى، بل عن "أسد من ورق" يخشى الوقوع في "محرقة" كبرى لا يملك ثمن تذكرتها.
لم تكتفِ إيران بالصفعة الدبلوماسية، بل جاء "المدد" من الشرق بصورة فضحت عورة التكنولوجيا الأمريكية. قيام الصين بنشر صور الأقمار الصناعية لطائرات "إف - 22" (الشبح) في قاعدة "عوفدا" الإسرائيلية، وتحديدها بالواحدة، كان بمثابة إعلان رسمي عن نهاية زمن التخفي. الصين قالت لترامب بوضوح: "طياراتك التي كلفتك المليارات هي مجرد أهداف ورقية في مرامينا"، مما سحب بساط الردع التكنولوجي من تحت أقدام الإدارة الأمريكية.
داخلياً، يبدو أن السحر بدأ ينقلب على الساحر الاتهامات التي وجهها جون بولتون لترامب بـ "الغباء الاستراتيجي" لم تكن سوى قمة جبل الجليد. الانقسام داخل المعسكر الجمهوري وصل إلى ذروته؛ حيث بدأ جيل "أمريكا أولاً" يتساءل بمرارة: "لماذا نموت في حروب الآخرين؟".
فضيحة أجندة "أيباك" التي فجرها تاكر كارلسون، وتصريحات جيمس فيشباك في فلوريدا برفض تمويل إسرائيل، تشير إلى أن القاعدة الشعبية لترامب بدأت تدرك أن مصالحها تُقايض في أسواق السياسة الخارجية لصالح لوبيات لا تخدم المواطن الأمريكي البسيط.
لقد وصلت أمريكا إلى طريق مسدود؛ فهي لا تملك القدرة العسكرية على توجيه ضربة دون أن تحرق نفسها داخلياً، ولا تملك الحنكة الدبلوماسية لانتزاع تنازلات من خصم "نفسه طويل" مثل إيران.
المشهد في جنيف كان إعلاناً عن "وفاة القطب الأوحد"؛ فبينما تقف طهران "حاطة رجل على رجل" ومستعدة لسيناريو "يوم القيامة" بإغلاق مضيق هرمز، يبدو ترامب كمن يحارب طواحين الهواء بجيش منهك، وحلفاء متمردين، وفشل استراتيجي سيكتبه التاريخ كواحد من أكبر سقطات "السياسة الترامبية". الكرة الآن في ملعب واشنطن، لكن يبدو أن الملعب نفسه بدأ ينهار تحت أقدامها.