ماذا يدور في غرفة عمليات البيت الأبيض ؟ القصة الكاملة لما يجري وراء الستار في حرب أمريكا وإيران

ياسر بركات
ياسر بركات

إن الحرب الأمريكية الإيرانية، التي إندلعت شرارتها العسكرية العنيفة في ربيع هذا العام، لم تعد مجرد مواجهة موضعية بين قوتين، بل تحولت إلى زلزال سياسي وإستراتيجي يضرب بعنف فوق خطوط الزلازل التقليدية في المنطقة، واضعاً مصير النظام الدولي بأسره على حافة هاوية خطيرة،
وفي هذه الساعات الحرجة، لم تعد الأفعال وحدها هي المؤشر، بل إن الكلمات الصادرة من واشنطن وطهران، والتحركات التي تجري في الغرف المغلقة، باتت تشي بأننا وصلنا إلى لحظة الحقيقة؛ تلك اللحظة التي تسبق إما تسوية كبرى تصيغ وجه المنطقة لعقود، أو إنفجاراً شاملاً يتجاوز قدرة الجميع على السيطرة،


الخبر الساخن الذي تناقلته الصحافة العالمية يشير إلى أن الرئيس دونالد ترامب قرر دخول غرفة العمليات فى البيت الأبيض لعقد إجتماع حاسم مع أركان إدارته وقادته العسكريين ، ودخول رئيس أمريكي إلى هذه الغرفة بالذات، وفي هذا التوقيت، يحمل في أدبيات السياسة الأمريكية دلالة واحدة لا تقبل اللبس  الوصول إلى نقطة إتخاذ القرار النهائي الذي لا رجعة فيه.


إن ترامب، بتركيبته السيكولوجية والسياسية القائمة على حافة الهاوية وعقد الصفقات الكبرى، يجد نفسه اليوم محاصراً بين نارين
أولاً رغبته العارمة في إنهاء هذه الحرب وتحقيق نصر دبلوماسي تاريخي يُتوج به ولايته، خاصة مع إقتراب إنتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وتصاعد الكلفة الإقتصادية للحصار البحري في مضيق هرمز. 


ثانياً ضغوط الصقور داخل الحزب الجمهوري الذين يرفضون تقديم أي تنازلات لطهران، ويتهمون الإدارة باللين ،
تصريحات ترامب الأخيرة تعكس هذا التناقض الصارخ؛ فهو يرفع سقف الشروط إلى حده الأقصى ملوحاً بالعودة إلى الضربات العسكرية، حيث أعلن بوضوح أن أي اتفاق لن يمر دون تفكيك كامل للغبار النووي المدفون وإستخراجه بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع بقاء الحظر المالي سارياً دون تدفق للأموال حتى إشعار آخر، وفتح مضيق هرمز بالكامل للملاحة دون رسوم ، إنها عقلية رجل الأعمال الذي يحمل هراوة غليظة ، يريد إنتزاع التنازل الأكبر قبل أن يوقع على تمديد وقف إطلاق النار. 


على الجانب الآخر من جبهة المواجهة، في طهران، تتبدى لنا قراءة مغايرة تماماً، جاءت تصريحات رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، لتضع النقاط على الحروف في الإستراتيجية الإيرانية الحالية. 


قاليباف، بخلفيته العسكرية الأيديولوجية، صرّح بوضوح
ليس لدينا ثقة فى الضمانات أو الكلمات بل فى الأفعال فقط  نحن لا نكسب التنازلات عبر المحادثات، بل عبر الصواريخ ، والمنتصر في أي إتفاق هو الأكثر إستعداداً للحرب في اليوم التالي لتوقيعه 


هذا الكلام ليس مجرد إستعراض بلاغي للإستهلاك المحلي؛ بل هو تعبير دقيق عن عقيدة الردع الإيرانية ، إن طهران، التي واجهت حرباً وحصاراً بحرياً خانقاً طوال الأشهر الماضية، تريد أن تفهم واشنطن أن دخول المفاوضات لا يعني الإستسلام. .

 

الكواليس الإيرانية تشهد صراعاً خفياً ومكتوماً بين مستويات القرار؛ حيث تسعى القيادة الإيرانية إلى فرض شروطها المتمثلة في الرفع الفوري للمقاطعة الإقتصادية والإعتراف بحقها في إدارة أمن الخليج ومضيق هرمز، مقابل أي تنازل في ملف اليورانيوم عالي التخصيب ، طهران تعتقد، وبناءً على حسابات دقيقة، أن ترامب مستعجل للخروج من المستنقع، وبالتالي فإن الصمود على حافة الهاوية قد يجبر واشنطن على تخفيف شروطها المجحفة،
إذا تركنا العلن وإنتقلنا إلى ممرات العمل السري والمقايضات المستورة خلف الستارسنجد أن هناك مذكرة تفاهم مؤقتة مدتها 60 يوماً قد صيغت بالفعل في قنوات التفاوض الخلفية بقطر، بجهود قادها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس وممثلون إيرانيون،
هذه المسودة تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار الهش وإتاحة الفرصة لمفاوضات شاملة تتناول الملف النووي الإيراني ومستقبل النفوذ الإقليمي ، لكن الأزمة الكبرى تكمن في أن هذا الاتفاق، رغم جهوزيته الفنية، لم يحظَ بعد بالموافقة النهائية من قادة القرار الحقيقيين. 


دونالد ترامب في البيت الأبيض، والذي يخشى الإنعكاسات السياسية الداخلية،
المرشد الأعلى مجتبى خامنئي في طهران، الذي يوازن بدقة بين حاجة بلاده للتنفس الإقتصادي وبين الحفاظ على ثوابت الثورة وهيبة الردع العسكري.
تتحدث الكواليس أيضاً عن معادلة شديدة التعقيد تتداخل فيها قوى دولية كبرى، فالحديث عن إشراك الصين بالتنسيق مع إيران والولايات المتحدة لإستخراج وتدمير المواد النووية المخصبة، يعني أن الأزمة لم تعد مجرد نزاع ثنائي، بل أصبحت ملفاً دولياً يُدار بميزان الذهب بين القوى العظمى التي تبحث عن إستقرار أسواق الطاقة وممرات التجارة العالمية في مضيق هرمز. 


إننا إذن، وأمام هذه المعطيات المتشابكة، لسنا أمام جولة مفاوضات عادية، بل نحن أمام مبارزة إرادات في الربع الساعة الأخير ، ترامب في غرفة العمليات يحاول صياغة الموقف العملياتي والسياسي لبلاده، إما لفرض إتفاق ينهي الحرب بشروطه ويمنحه مجداً سياسياً، أو لإعطاء الضوء الأخضر لإستئناف العمليات العسكرية والحصار البحري الشامل إذا ما شعر أن طهران تماطل أو تحاول فرض شروطها على مضيق هرمز،
وفي المقابل، فإن إيران تقف مستنفرة بكامل طاقتها الصاروخية وبحريتها، متبنيةً نظرية السلام المسلح، معتقدة أن إظهار القوة والجاهزية للحرب هو السبيل الوحيد لضمان إتفاق منصف يحمي مصالحها الحيوية. 


الخلاصة التي تفرض نفسها علينا، ونحن نتابع خفايا هذا الصراع وتداعياته هي أن الأيام  بل ربما الساعات  القليلة القادمة ستكشف لنا عما دار خلف تلك الأبواب المغلقة في واشنطن وطهران ، فإما أن تنجح الدبلوماسية في صياغة هدنة الستين يوماً كجسر نحو تسوية تاريخية كبرى، وإما أن تنزلق المنطقة مجدداً إلى أتون مواجهة أوسع، لا يملك أي طرف فيها، مهما بلغت قوته، القدرة على تحديد كيفية أو موعد نهايتها ، إنها اللعبة الأخطر على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، حيث كل نقلة قد تعني فارقاً بين السلام.. أو الدمار 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

ماذا يدور في غرفة عمليات البيت الأبيض ؟ القصة الكاملة لما يجري وراء الستار في حرب أمريكا وإيران

بقلم ياسر بركات