خيوط اللعبة المستحيلة ..ضربات البنتاجون.. لغز الرئيس البديل.. ومصير الخليج
إن الهجمات العنيفة والمشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في بدايات هذا العام لم تكن مجرد رد فعل عسكري عابر؛ بل كانت محاولة جراحية كبرى، قادها مطبخ القرار في البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية بالتنسيق مع تل أبيب، لتقويض دعائم النظام الإيراني وتجريده من طموحاته النووية والإقليمية دفعة واحدة،
لكن العمليات العسكرية الكبرى في تاريخ منطقتنا لم تكن يوماً معزولة عن غرف الإستخبارات المظلمة؛
في الثالث عشر من يوليو 2026، فجرت صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية قنبلة إستخباراتية من العيار الثقيل، عندما كشفت عن عملية سرية معقدة للغاية قادها جهاز الموساد الإسرائيلي لسنوات، الهدف، لم يكن إغتيال قيادة إيرانية كما جرت العادة، بل تجنيد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد كأصل إستخباراتي وإعداده ليكون الزعيم البديل لإيران في حال سقوط النظام الحالي،
بدأت الخطة الإستخباراتية تأخذ شكلاً جاداً عام 2024 تحت غطاء مؤتمر للتغير المناخي في جامعة لودوفيكا بالعاصمة المجرية بودابست، حيث سافر رئيس الموساد آنذاك ديفيد برنيع بنفسه ليلتقي أحمدي نجاد سراً، بمساعدة وتسهيل من مسؤولين مجريين كبار،
التقارير تكشف أن الموساد واصل تمويل رحلات وإقامة أحمدي نجاد في الخارج، بل إنه خلال الغارات الجوية العنيفة التي شنتها واشنطن وتل أبيب على طهران في فبراير من هذا العام، حاولت فرق الموساد إجلاءه من مجمعه السكني بعد إستهدافه بغارة وهمية، ونقله إلى بيت آمن داخل إيران تمهيداً لتنصيبه زعيماً جديداً في إطار ما عُرف بـ عملية القط ذو الحذاء إلا أن المخطط إنتهى بالفشل التام بعد تراجع نجاد نفسه، ليقع الآن تحت الإقامة الجبرية بقبضة إستخبارات الحرس الثوري الإيراني،
الربط هنا بين الأداة العسكرية القصف العنيف والأداة الإستخباراتية مخطط أحمدي نجاد هو جوهر القراءة الإستراتيجية،
كانت الدوائر الغربية والإسرائيلية ترى أن النظام الإيراني بات يعيش أضعف حالاته نتيجة لسنوات العقوبات الطويلة، والإضطرابات الداخلية، وتهاوي حلفائه الإقليميين ، ومن هنا، كانت هناك قناعة إستراتيجية بأن الضربات الجوية العنيفة ستكون بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير وتدفع بالشارع الإيراني إلى الفوضى، مما يمهد الطريق لإخراج أحمدي نجاد كوجه إنقاذ شعبي بديل مقنع للداخل وموالٍ سراً للخارج.
وتظهر هذه القضية مدى الهشاشة والإستباحة الإستخباراتية التي وصلت إليها البنية السياسية في طهران فعندما ينجح الموساد في إختراق دائرة رئيس جمهورية سابق ، كان يوماً رمزاً لتيار المحافظين المتشددين ، فإن ذلك يفسر حالة الهلع والغضب التي تسيطر على الحرس الثوري، ويفسر لمَ جاءت الردود العسكرية الإيرانية في بداية الحرب بهذا القدر من الإنفعال والعنف عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات وإغلاق مضيق هرمز،
فالحرب الحالية لم تترك عاصمة في المنطقة بعيدة عن شظاياها، فخلال جولات القصف المتبادل، طالت الصواريخ والمسيرات الإيرانية القواعد العسكرية الأمريكية والأهداف المدنية في دول مجلس التعاون الخليجي الست، بالتزامن مع إغلاق شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز،
ومع ذلك، إذا نظرنا إلى ردة الفعل الخليجية نجد ملامح إستراتيجية لافتة لمستقبل هذه العلاقات،
على الرغم من الأضرار المادية الفادحة والإنتهاك الصارخ للسيادة الذي تعرضت له دول الخليج جراء القصف الإيراني، إلا أن عواصم الخليج لاسيما الرياض أبدت إنضباطاً وإمتناعاً تاماً عن الإنجرار إلى رد عسكري مباشر ، الخليج اليوم يدرك جيداً أن الدخول في حرب شاملة مدمرة سيعني تفجير رؤاهم الإقتصادية الطموحة مثل رؤية السعودية 2030
، لقد وجهت هذه الحرب رسالة واضحة لطهران بأن دول الخليج لا تريد إستخدام أراضيها كمنطلقات لضرب إيران ، لكن في الوقت نفسه، فإن الهجمات الإيرانية أثبتت لأمن الخليج أن مبدأ حسن الجوار الذي تروج له طهران يسقط فوراً عند إندلاع أي مواجهة مباشرة مع واشنطن، مما يجعل الثقة بين الطرفين في أدنى مستوياتها التاريخية،
إن الجغرافيا لا يمكن تزويرها، والتاريخ لا يمكن كتابته بممحاة ، قد تنجح الطائرات الأمريكية والإسرائيلية في تدمير منصات الصواريخ وإبطاء البرنامج النووي الإيراني لسنوات، وقد تنجح أجهزة الأمن الإيرانية في إحباط مؤامرة نجاد ووضعه وراء القضبان ، ولكن، يبقى السؤال الكبير معلقاً في سماء المنطقة ماذا بعد؟
إن إسرائيل، برغبتها المحمومة في تغيير الأنظمة عبر مؤامرات أشبه بروايات الجاسوسية في القرن الماضي، تتناسى أن إيران ليست مجرد نظام سياسي يمكن تبديله بـ كبسة زر أو بدمية إستخباراتية، بل هي أمة ذات طابع إمبراطوري ممتد في عمق التاريخ،
أما بالنسبة لدول الخليج العربية، فإن القدر قد وضعها بجوار هذا الجار الصعب والمقلق، والدرس الأساسي الذي تخرج به هذه الدول من لهيب حرب 2026 هو أن الحماية الخارجية الأمريكية لها ثمن باهظ يُدفع من سيادتها وإستقرارها، وأن الأمن الحقيقي للمنطقة لن يصنع في واشنطن ولا في تل أبيب، بل يجب أن يُصاغ بترتيبات إقليمية شجاعة، تبدأ عندما تدرك طهران أن جيرانها ليسوا ساحة لتصفية الحسابات، وتدرك عواصم المنطقة أن صراع المحاور هو نفق مظلم لا رابح فيه،
نحن أمام مشهد معلق، والستار لم يسدل بعد، ورائحة البارود لا تزال تزكم الأنوف في مياه الخليج الدافئة.