سيناريوهات ما بعد رحيل المرشد؟!

ياسر بركات
ياسر بركات

لم يكن رحيل المرشد، الذي غيبه الموت عن عمر يناهز 86 عاماً، أمراً خارج حسابات التقدير الاستراتيجي؛ فبالنظر إلى تقدمه الكبير في السن، كان من المتوقع وفاته في أي وقت، وفي هذا السياق، برز اسم أحمد وحيدي، وزير الداخلية الحالي والقائد الأسبق لفيلق القدس، كأحد أهم الركائز التي استعد بها النظام لهذه اللحظة وحيدي، الذي يُوصف بـ "العقل المدبر" ويوصف دولياً بالرجل القوي داخل الحرس الثوري، يبدو اليوم المرشح الأبرز لقيادة المرحلة الانتقالية من خلف الستار. 

 

فبينما لا يمتلك وحيدي الصفة الدينية ليكون مرشداً، إلا أن سيطرته على مفاصل الأمن الداخلي وخبرته العسكرية العميقة تجعله "الحاكم الفعلي" الذي قد يلجأ إليه الحرس الثوري لضبط الإيقاع ومنع انهيار الدولة


بموجب الدستور الإيراني، يتولى مجلس قيادة ثلاثي (يضم رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وفقيه من مجلس صيانة الدستور) إدارة الأمور مؤقتًا حتى يختار "مجلس خبراء القيادة" مرشدًا جديدًا لكن الواقع الميداني اليوم يختلف؛ فإيران تعيش تحت ضغط ضربات عسكرية إسرائيلية مكثفة واستنزاف اقتصادي غياب المرشد في هذا التوقيت هو "رصاصة الرحمة" على مفهوم الردع الإيراني القديم، حيث تجد القيادات العسكرية نفسها في مواجهة معضلة: هل تحمي الحدود من الاختراق الخارجي، أم تحمي مراكز القوة في طهران من الانفجار الداخلي؟
في خضم هذا الغموض، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعمق جراح النظام الإيراني؛ حيث لم يكتفِ بالتعليق على الحدث، بل أطلق تصريحات توحي بأن واشنطن لن تقف متفرجة على هوية "المرشد الجديد"

 

 ترامب، الذي يتبع استراتيجية "تحطيم الخصم ثم التفاوض"، يرى في هذه اللحظة فرصة ذهبية لفرض "تغيير جذري". تلميحاته تشير إلى رغبة في التعامل مع قيادة تكون أكثر "براغماتية"، وقد يكون أحمد وحيدي هو الطرف الذي سيجد نفسه في مواجهة مباشرة مع إملاءات ترامب، إما كخصم يجب سحقه أو كقائد عسكري يمكن التفاوض معه لإنهاء حقبة "تصدير الثورة" مقابل بقاء هيكل الدولة.


ترامب يراهن على أن "لحظة الضعف" الحالية هي الفرصة الذهبية لتفكيك مشروع "تصدير الثورة" من الداخل. هو لا يريد فقط مرشدًا جديدًا، بل يريد "اتفاقًا جديدًا" ينهي البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي الإيراني بضربة واحدة، مستغلاً حاجة أي قيادة جديدة للشرعية والاعتراف الدولي لتجنب الانهيار الكامل تحت وطأة القصف المستمر.


بناءً على المعطيات الحالية وتدخلات ترامب، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
• سيناريو "المجلس العسكري" بقيادة وحيدي: أن يتم تهميش الدور الديني مؤقتاً لصالح قبضة عسكرية يقودها وحيدي بالتنسيق مع جنرالات الحرس الثوري، للدخول في مواجهة شاملة يراها النظام "معركة وجود" أخيرة.


• سيناريو "الصفقة الترامبية": أن تنجح الضغوط الأمريكية في دفع شخصيات عسكرية براغماتية (قد يكون وحيدي جزءاً منها) لتولي السلطة مقابل صفقة تنهي الحرب وترفع العقوبات فوراً لتجنب السحق الكامل.


• سيناريو "التفكك والفوضى": فشل "مجلس خبراء القيادة" في الاتفاق على خليفة، وتصادم طموحات أحمد وحيدي مع أجنحة أخرى داخل النظام، مما يؤدي إلى صراع أجنحة ممتد قد ينتهي بتفكك السلطة المركزية.


إن محاولة ترامب التدخل في اختيار من سيتولى منصب المرشد الجديد، بالتزامن مع صعود شخصيات ثقيلة مثل أحمد وحيدي إلى واجهة الأحداث، هي "مقامرة كبرى"، فبينما يرى ترامب في غياب المرشد فرصة لإنهاء الصراع المزمن بضربة واحدة، يرى الخبراء أن وجود شخصيات عسكرية متمرسة مثل وحيدي قد يعني أن النظام لن يسقط بسهولة، بل قد يتحول إلى "دولة ثكنات" أكثر شراسة في مواجهة "الإملاءات الخارجية"

 الأيام القادمة لن تحدد فقط من سيجلس في طهران، بل ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط سيتجه نحو "سلام بالإكراه" أم نحو "حريق كبير" لن ينجو منه أحد.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

سيناريوهات ما بعد رحيل المرشد؟!

بقلم ياسر بركات