المدافع في الجنوب والرسائل في مسقط.... هل تفاوض طهران بالدم اللبناني؟
لم يكن جنوب لبنان يوماً مجرد جغرافيا تطل على شمال فلسطين المحتلة، بل كان دائماً وفي القراءة العميقة للتاريخ خط زلازل سياسي ، وحين ننظر اليوم إلى ألسنة اللهب المتصاعدة نكتشف إننا لسنا أمام جولة تقليدية من جولات تبادل النار أو قواعد الإشتباك التي سادت لسنوات؛ إننا أمام مشهد أعقد بكثير، مشهد تتداخل فيه حسابات الميدان المحلى بحسابات الإستراتيجية الكبرى بين واشنطن وطهران.
تُعلمنا تجارب التاريخ العربي المعاصر أن إسرائيل لا تتحرك عسكرياً بهذا الحجم من الكثافة والنيران إلا وهي تستند إلى تفويض ما، أو تحاول فرض واقع ما قبل أن تنضج طبخة التسويات الكبرى. والسؤال ليس فقط متى تتوقف المدافع، بل ما هو الثمن الذي يُطلب من لبنان أن يدفعه على مذبح التفاهمات الأمريكية الإيرانية غير المكتوبة؟
يُقرأ التصعيد الإسرائيلي الراهن في جنوب لبنان كأداة ضغط إستراتيجية فائقة القوة ، إسرائيل، التي إستشعرت بعد أحداث أكتوبر المجيدة ثغرات في عقيدتها الأمنية، تحاول بالحديد والنار والإجتياحات الموضعية وإستهداف البنى التحتية، إزاحة خطر حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني.
ولكن، هل الأمر بهذه البساطة؟
الهدف الإسرائيلي يتجاوز التطبيق الحرفي للقرار الدولي 1701 ، إن الهدف هو تفكيك حلقة النار التي أحاطت بها إيران على مدى عقود ،إسرائيل تدرك أن أي تسوية قادمة في الشرق الأوسط ستعني إعترافاً بنفوذ إقليمي معين لطهران، وهي تسعى بالدمار والضغط العسكري إلى تقليص الأوراق التي تمتلكها إيران على طاولات التفاوض المغلقة قبل أن تبدأ الجولات الحاسمة،
على الجانب الآخر من المشهد، تقف طهران في موقع لا تُحسد عليه من حيث دقة الحسابات وتداخلها ، خرجت التصريحات الإيرانية مؤخراً ، لتؤكد أن طهران تدرس الرد على التصعيد الإسرائيلي في لبنان ، وهنا يكمن جوهر العقدة السياسية.
إن إيران ، تواجه معضلة مزدوجة
أولها صيانة الردع: إذا لم ترد إيران أو تدعم حليفها الأساسي حزب الله بشكل حاسم، فإنها تخاطر بكسر هيبتها الإقليمية وتفكيك شبكة تحالفاتها التي بنتها عبر سنوات طويلة تحت مسمى محور المقاومة.
وثانياً حماية مسار التفاهمات: في الوقت نفسه، تدرك القيادة الإيرانية خصوصاً في ظل الأوضاع الإقتصادية الضاغطة في الداخل أن هناك قنوات خلفية مفتوحة مع واشنطن، سواء في مسقط أو عبر لغة الرسائل السرية في جنيف، تهدف إلى الوصول لتسوية شاملة تشمل ملفها النووي، ورفع العقوبات، والإعتراف بدورها الإقليمي.
لذلك، فإن العبارة الدبلوماسية تدرس الرد هي عبارة حمالة أوجه؛ تعكس رغبة في ضبط النفس وتجنب الإنزلاق إلى حرب شاملة تريدها حكومة اليمين الإسرائيلي لخلط الأوراق، وتأجيل أي تقارب أمريكي إيراني قد يأتي على حساب تل أبيب،
وفي غضون ذلك، تبدو الإدارة الأمريكية في واشنطن كمن يسير على حبل مشدود ، من جهة، لا يمكن لأي إدارة أمريكية أن تتخلى عن إلتزامها المطلق بأمن إسرائيل، وهي توفر الغطاء السياسي والمدد العسكري لحملتها ، ومن جهة أخرى، هناك قناعة راسخة لدى أجنحة واسعة في الدولة العميقة في أمريكا بأن الإستقرار المستدام في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه عبر الحروب المفتوحة، بل عبر هندسة دبلوماسية تدمج إيران في النظام الإقليمي بشروط محددة.
إن واشنطن تحاول إستغلال الضغط العسكري الإسرائيلي كـ مشرط جراح لإضعاف موقف إيران التفاوضي ، الفكرة الأمريكية هي ترك إسرائيل تضغط على حزب الله في الجنوب، لكي تأتي إيران إلى طاولة المفاوضات وهي أكثر إستعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، ليس فقط في ملفها النووي، بل في ملف صواريخها الباليستية ونفوذها الإقليمي في اليمن والعراق وسوريا ولبنان،
في المحصلة، وعندما نجمع هذه الخيوط المتناثرة من قذائف المدافع في الخيام والناقورة، إلى الغرف المغلقة في العواصم الكبرى نجد أنفسنا أمام حقيقة تاريخية مكررة ومؤلمة إن لبنان يُراد له مرة أخرى أن يكون ساحة للإختبار، وصندوق بريد بالدم والنار.
التصعيد الإسرائيلي في الجنوب ليس معزولاً عن سياق الطبخة الكبرى التي تُعد بين واشنطن وطهران ، إن كل شبر يتقدم فيه جيش الإحتلال، وكل غارة تستهدف قرى الجنوب، تقابلها أرقام ونقاط تُسجل في دفاتر التفاوض الدبلوماسي غير المباشر، إيران تدرس ردها بعناية فائقة لأنها تعلم أن الخطوة غير المحسوبة قد تطير بالإتفاق المأمول مع أمريكا، وأمريكا تضبط إيقاع الجنون الإسرائيلي لكي لا ينفجر السقف فوق رؤوس الجميع،
ويبقى الجنوب اللبناني، بأهله وترابه وصموده، هو من يدفع الفاتورة الفورية لسياسة حافة الهاوية الدولية، في إنتظار أن ينجلي غبار المعارك عن شكل الشرق الأوسط الجديد، فإما تسوية تاريخية تتقاسم فيها القوى الكبرى النفوذ، وإما إنفجار شامل يطيح بخرائط المنطقة التي نعرفها