عاصفة على المضيق... قراءة في خرائط القوة والصراع بين واشنطن وطهران على حافة باب المندب
كان المؤرخ الفرنسي الشهير فرنان بروديل يقول دائمًا إن الجغرافيا هي الجدار الذي لا يستطيع التاريخ القفز فوقه،وعندما ننظر اليوم إلى الخريطة الممتدة من مضيق هرمز في الخليج العربي وصولاً إلى باب المندب في البحر الأحمر، نكتشف أننا لسنا أمام مجرد ممرات مائية ضيقة، بل أمام أعصاب مكشوفة للإقتصاد العالمي والصراعات الإمبراطورية الكبرى.
إن ما يشهده البحر الأحمر اليوم ليس مجرد جولة مناوشات عابرة بين جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن والولايات المتحدة وحلفائها، بل هو فصل جديد وخطير من فصول الصراع الأمريكي الإيراني ، إنها لعبة رقعة الشطرنج الكبرى التي تُدار فيها المعارك بالوكالة، وتُصاغ فيها التهديدات بلغة الصواريخ والمسيرات،
لكن الأخطر في هذا المشهد، هو ذلك التهديد الحوثي المتصاعد بـ إغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل إذا ما طلبت طهران ذلك، أو إذا تعرضت المصالح الحيوية الإيرانية لضربة أمريكية مباشرة،
إيران نجحت في صياغة إستراتيجية أطلقت عليها اسم حزام أمن المقاومة الجديد، هذا الحزام لم يعد يقتصر على الهلال البري الممتد من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشق، بل بات يمتد بحرياً من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب،
وقد لخص هذه الرؤية قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، في تصريحاته الأخيرة ، حين تحدث عن حزام أمني يمتد عبر هذه الممرات الحيوية،
إن طهران لم تعد ترى في باب المندب مجرد مضيق تجاري، بل تعتبره مضيق هرمز الثاني؛ وورقة ضغط إستراتيجية كبرى تُمسك بخناق التجارة الدولية لفرض شروطها في أي تسوية شاملة مع واشنطن.
الحوثيون، على الرغم من تمتعهم بقرار محلي نابع من حساباتهم الخاصة، إلا أنهم يرتبطون بشبكة قيادة وسيطرة لوجستية وإستخباراتية وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني ، وبناءً على ذلك، فإن تلويح قادة الجماعة بإغلاق المضيق ليس مناورة يمنية معزولة، بل هو صدى لرسائل مشفرة تبعث بها طهران إلى واشنطن مفادها: إذا ضربتم شبكة الكهرباء أو المنشآت الحيوية لدينا، فإن البحر الأحمر سيتحول إلى بحيرة مغلقة.
وهذا السيناريو مرعب ،سوف يؤدى إلى
إنفجار أسعار الطاقة العالمية حيث تشير التقديرات إلى أن إغلاق باب المندب، بالتوازي مع التوترات في هرمز، قد يدفع بأسعار النفط إلى مستويات جنونية تتجاوز 200 دولار للبرميل، وهو ما يمثل رصاصة في قلب محاولات البنوك المركزية الغربية للسيطرة على التضخم، كما سيؤدى ،
لشلل فى سلاسل الإمداد فتحويل مسار السفن التجارية قسراً حول طريق رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 إلى 14 يوماً من السفر، ويرفع تكاليف التأمين البحري وأسعار الشحن بشكل فلكي، مما يهدد الأمن الغذائي لشرق أفريقيا وأوروبا على حد سواء،
كما أن محاولات الإلتفاف على الممرات المائية الحالية ببناء خطوط أنابيب جديدة أو ممرات برية بديلة تحتاج إلى سنوات، بينما الأزمة قائمة وتتفاقم الآن.
في المقابل، كيف تبدو الصورة من داخل غرف صناعة القرار في واشنطن؟
الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فمن ناحية، لا يمكن للقوة العظمى الأولى في العالم أن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديد حرية الملاحة الدولية ،ومن ناحية أخرى، فإن أي مواجهة عسكرية مباشرة وشاملة تهدف إلى إجتياح السواحل اليمنية أو توجيه ضربات مدمرة للداخل الإيراني قد تشعل حرباً إقليمية شاملة لا تريدها إدارة البيت الأبيض،
الضربات الجوية التي وجهتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لمواقع الحوثيين لم تنجح في شل قدرتهم الصاروخية تماماً؛ ذلك أن الطبيعة الجغرافية لليمن والخبرة القتالية التي إكتسبتها الجماعة طوال سنوات الحرب جعلت من الصعب القضاء على منصات إطلاق المسيرات والصواريخ المتحركة،
هنا يبرز السؤال الجوهري هل يجرؤ الحوثيون ومن خلفهم إيران على تنفيذ هذا التهديد فعلاً؟
في تقديري الشخصي، وإستناداً إلى قراءة واعية لأسلوب الإدارة الإيرانية للأزمات، فإن طهران تفضل دائماً ما يمكن تسميته بـ الضغط التكتيكي المنضبط ، إنها تفضل إبقاء المضيق في حالة تهديد مستمر بدلاً من إغلاقه بالكامل،
التهديد بالإستخدام أفضل من الإستخدام نفسه طالما بقي المضيق مفتوحاً تحت التهديد، فإن إيران تحتفظ بورقة مساومة ثمينة جداً أمام الغرب ،
الإغلاق الكامل لباب المندب لن يضر واشنطن وتل أبيب فحسب، بل سيضر حلفاء طهران وشركائها الكبار مثل الصين التي تعتمد على هذا الممر للوصول إلى الأسواق الأوروبية ومصر ودول أخرى. وإيران حريصة على عدم إثارة غضب بكين أو التسبب في صدام شامل مع المجتمع الدولي بأسره.
يمكننا القول إن مضيق باب المندب قد تحول من ممر مائي يمنيإقليمي إلى مسرح لـ حرب الإرادات الكبرى بين القوى العظمى والإقليمية،
إن خطورة المشهد لا تكمن فقط في الصواريخ التي تسقط في البحر، بل في تلك الحسابات الخاطئة التي قد تنزلق بالمنطقة برمتها إلى مواجهة لا يريدها أحد ولكن لا يستطيع أحد تجنبها ،ويبقى باب المندب، بطبيعته وعواصفه السياسية المتلاحقة، شاهداً على أن التاريخ يعيد صياغة نفسه دائماً بأقلام الجغرافيا وصراعات القوى التي لا تنتهي.