مكاشفة غير معهودة.. مدبولى عن أزمة الحرب الإيرانية
في لحظة كاشفة، ومكاشفة لم تعهدها كواليس السياسة بنفس هذه النبرة المباشرة، وقف رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي ليضع النقاط فوق حروف الأزمة التي بدأت نيرانها تتصاعد في سماء الشرق الأوسط.
لم يكن تصريحه الأخير مجرد إحاطة إعلامية عابرة، بل كان بمثابة "بيان صدمة" ضروري لاستفاقة الوعي الشعبي أمام هول ما يجري، جاءت كلماته القاطعة: "لازم نعرف كمواطنين أن طول أمد الحرب سيؤدي لزيادة الأسعار، والدولة ستأخذ إجراءات استثنائية، وده موضوع طبيعي"، لترسم ملامح مرحلة جديدة من "اقتصاد الحرب" الذي لم تعد مصر بمنأى عنه، خاصة مع تحول الصراع الإيراني الإسرائيلي الأمريكي من حرب استخباراتية في الظلال إلى مواجهات مفتوحة هددت شريان الحياة الاقتصادي في المنطقة.
إن شجاعة الحكومة المصرية في هذه المرحلة تمثلت في شخص رئيس وزرائها، الذي آثر أن يواجه الشعب بالحقيقة العارية دون تزييف أو تجميل، مؤكداً بصدقٍ لا لبس فيه أننا نعيش في عالم مضطرب لا يملك أحد فيه ترف الوعود الوردية، هذا الصدق في إخبار الشعب بالواقع المُر هو الضمانة الوحيدة لبناء جسر من الثقة بين المواطن وصانع القرار، فالشعوب التي تدرك حجم التحدي هي الأقدر على تحمل تبعاته، ومدبولي هنا لم يبع "أوهاماً"، بل وضع المواطن أمام مسؤوليته التاريخية في فهم أبعاد الأزمة التي لم تكن القاهرة سبباً فيها، لكنها تقع في قلب تداعياتها الجغرافية والاقتصادية.
ومع دخول الحرب الإيرانية أسبوعها المشتعل، بدأت سلاسل الإمداد العالمية في الترهل، وتأثرت حركة الملاحة في قناة السويس - الشريان التاجي للاقتصاد المصري - بشكل مباشر نتيجة التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز. هذا الاضطراب أدى تلقائياً إلى قفزات غير مسبوقة في تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما ترجمه مدبولي بصراحة في توقعه لزيادة الأسعار فمصر، التي تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها الاستراتيجية، تجد نفسها اليوم في مواجهة "تضخم مستورد" ناتج عن انفجار أسعار النفط والغاز والسلع الأساسية عالمياً وتباطؤ حركة التجارة العالمية. ولأن الحكومة تدرك أن الموارد محدودة، أعلن رئيس الوزراء بوضوح عن "إجراءات استثنائية" قد تشمل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتقشفاً حكومياً صارماً، وربما تدخلات قانونية لضبط الأسواق ومنع استغلال الأزمات، مؤكداً أن هذا هو المسار "الطبيعي" لأي دولة تحترم بقاءها في ظل فوضى عالمية.
وتأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لعلاقة مصر ببرنامج صندوق النقد الدولي فالبرنامج، الذي صُمم بالأصل لتحقيق استقرار مالي واقتصادي طويل الأمد، يواجه اليوم اختباراً عسيراً تحت وطأة "ظروف قاهرة" لم تكن مدرجة في جداول البيانات الأصلية الصادرة من "القاهرة".
وبينما يطالب الصندوق باستمرار الإصلاحات الهيكلية، تدرك الحكومة المصرية أن "المرونة" هي مفتاح البقاء؛ لذا فإن "الإجراءات الاستثنائية" التي تحدث عنها مدبولي قد تتضمن مفاوضات جديدة مع الصندوق لمراعاة الأعباء الاجتماعية المتزايدة الناتجة عن الحرب. فالحكومة المصرية هنا تلعب دور "الموازن" الدقيق؛ فهي ملتزمة ببرنامج الإصلاح لضمان استدامة الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه تضع "الأمن القومي الاجتماعي" فوق كل اعتبار، مدركةً أن الضغوط السعرية الناتجة عن الحرب الإيرانية قد تتطلب إبطاء بعض بنود الإصلاح أو زيادة مظلة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضرراً.
إن ثمن الاستقرار قد يكون باهظاً في ظل اشتعال المنطقة، فالحرب الإيرانية ليست مجرد أخبار على شاشات التلفاز، بل هي فاتورة تُدفع من ميزانية كل أسرة، والدولة -من خلال إجراءاتها الاستثنائية - تحاول جاهدة تقليل أثر هذه الفاتورة لضمان عدم انزلاق المجتمع نحو هاوية الغلاء الفاحش.
في الختام، يظل تصريح رئيس الوزراء بمثابة "جرس إنذار" وإعلان "تعبئة اقتصادية"، إن مواجهة الشعب بالحقائق دون مواربة هي أسمى صور المسؤولية السياسية، فإذا كان طول أمد الحرب سيزيد الأسعار، فإن تماسك الجبهة الداخلية وفهمها لصدق الرواية الرسمية هو السلاح الوحيد لمواجهة العاصفة.
مصر اليوم تخوض حرباً من نوع آخر؛ حرب بقاء اقتصادي وسط نيران إقليمية، والرهان يظل دائماً على وعي المواطن بحقيقة أن "الاستثناء" اليوم هو الطريق الوحيد للعودة إلى "الطبيعي" غداً.