حين تصبح الحيادية العُمانية هدفاً في مرمى النيران
لطالما كانت سلطنة عُمان، في تقديري وفي قراءتي الطويلة لتاريخ هذه المنطقة، تمثل صمام أمانهادئ، وواحة من الدبلوماسية الصامتة والذكية وسط رمال الخليج المتحركة. كانت مسقط دائماً هيالمكان الذي يلتقي فيه الخصوم حين تضيق بهم السبل في العلن، والغرفة السرية التي تُصاغ فيهاصفقات التهدئة بين واشنطن وطهران ، لكن ما حدث مؤخراً يُشير إلى أن قواعد اللعبة القديمة قدأنتهت، وأن هذا الملاذ الآمن قد جرى جره، قسراً وعمداً، إلى أتون مواجهة إقليمية ودولية كبرى لا ترحم،
حين أستيقظ العالم قبل ساعات على أنباء دوي الإنفجارات في ميناء الفحل العُماني القريب من مسقط،وتوقف شريان النفط المتدفق منه ولو مؤقتاً لم يكن الأمر مجرد حادث عسكري عابر، أو مجرد مسيّرةطائشة ضلت طريقها في ليل الخليج ،إننا هنا أمام لحظة كاشفة تعكس ذروة الصدام المكتوم بينعاصفتين عاصفة الإندفاع الأمريكي الجديد بقيادة دونالد ترامب، وعاصفة الحسابات الإيرانية المعقدةوالمأزومة تحت وطأة الحرب المستعرة ،
لكي نفهم من يقف وراء هذا القصف، وما هي دوافعه، علينا أن نقرأ ما جرى في سياق الأسبوع العاصفالذي سبقه ،
قبل أيام قليلة، وخلال إجتماع في البيت الأبيض، أطلق الرئيس دونالد ترامب تصريحاً من تصريحاتهالمعهودة، التي تتسم بالصدمة والخشونة السياسية ، ترامب هدد علناً بـ تدمير أو قصف سلطنة عُمان ،
الإدارة الأمريكية إستشاطت غضباً من معلومات إستخباراتية تفيد بأن عُمان تخوض مفاوضات مع إيرانلتنظيم مشترك لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وفرض رسوم عبور على السفن التجارية والناقلات ،بالنسبة لواشنطن، هذا التحول يُعد خروجاً عُمانياً عن خط الحياد التقليدي، وإصطفافاً خطيراً يمنحطهران شرعية خنق الملاحة الدولية.
في المقابل، جاءت الواقعة على الأرض سريعة ودراماتيكية؛ طائرة مسيّرة إنتحارية تضرب بدقة منشآتتحميل النفط بين الرصيفين الأول والثاني في ميناء الفحل، لتشتعل النيران وتتوقف عمليات التصديرلبعض الوقت، قبل أن تحاول السلطات العُمانية لملمة الصدمة وإعلان عودة العمل إلى طبيعته لتهدئةالأسواق المذعورة.
والسؤال الذي يشغل بال الجميع هو من ضغط على الزناد؟
تشير معلومات إلى أنه منذ إندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين أمريكا وإيران في فبراير 2026،بدأت وحدات عسكرية إيرانية أو فصائل تابعة لها بشن ضربات ضد الموانئ العُمانية مثل الدقم وصلالةبذريعة أنها تُستخدم من قبل القوات الأمريكية. ورغم أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خرجليعلن أن ضرب عُمان ليس خيارنا وأن مسقط صديق وجار، إلا أن الأجنحة المتشددة في الحرس الثوريالإيراني باتت تتحرك بشكل مستقل لبعث رسائل خشنة لمسقط، مفادها أن أي تراجع تحت الضغطالأمريكي سيكلف عُمان أمنها النفطي.
وثمة قراءة أخرى لا تستبعد وجود أطراف دولية أو إقليمية مستفيدة من تجسيد تهديد ترامب علىأرض الواقع؛ فمن مصلحة واشنطن وحلفائها إفهام عُمان بشكل عملي وصادم أن مظلة الحماية قدرُفعت عنها، وأن اللعب بأوراق مضيق هرمز مع الإيرانيين هو لعب بالنار ستحترق به الموانئ العُمانيةأولاً.
إن قصف ميناء الفحل، في هذا التوقيت بالذات، يحمل إرتدادات زلزالية على مشهد الخليج العربيبرمته، ويمكننا الإشاره إلى أن أهم تلك الإرتدادات والأثار هى
نهاية عصر الحياد المطلق إن الرسالة العنيفة الموجهة لمسقط تقول بوضوح في عالم دونالد ترامبالجديد، وعالم الصدام الشامل مع إيران، لم يعد هناك مكان للمنطقة الرمادية واشنطن تضغط بضراوةلقطع العلاقات العُمانية الإيرانية بالكامل، والحياد بات يُفسر في القاموس الأمريكي على أنه تهديد .
والأمر الآخر تهديد شريان الطاقة الآسيوي ميناء الفحل ليس مجرد مرفأ عادي؛ إنه المنفذ الرئيسي الذيتصدر منه عُمان نحو 900 ألف برميل نفط يومياً، ومعظم هذه الشحنات تذهب إلى الصين وتايوان. ضرب هذا الميناء هو ضربة مباشرة للمصالح الإقتصادية الآسيوية، ودفع بالصين للدخول بقوة على خطالأزمة لحماية إمداداتها.
والأمر الآخر إنهيار دور الوساطة التاريخي إذا ما جرى عزل عُمان أو إضعافها إستراتيجياً، فإن المنطقةستفقد القناة الخلفية الوحيدة الموثوقة لتهدئة الحروب ، هذا يعني أن أي تصعيد قادم بين واشنطنوطهران سيسير في طريق مفتوح نحو حافة الهاوية.
إن سلطنة عُمان تجد نفسها اليوم فوق حبل مشدود وسط عاصفة عاتية. الجغرافيا التي منحتها عبرالعقود ميزة إستراتيجية كحارس لمضيق هرمز، تحولت في زمن جنون القوة العسكرية والصراع علىالنفوذ إلى عبء إستراتيجي ثقيل.
إن قصف ميناء الفحل لم يكن مجرد إنفجار في أنابيب النفط، بل كان إنفجاراً في البنية الأمنية التقليديةللخليج. العالم يراقب بقلق، من أن القادم قد يكون أسوأ؛ فإذا إستمرت سياسة كسر العظام بين البيتالأبيض وطهران، فإن الشواطئ العُمانية الهادئة قد تواجه أياماً عاصفة لم تشهدها منذ عقود، ليبقىالسؤال المعلق في فضاء الخليج: هل تنجح الحكمة العُمانية في إستيعاب الضربة، أم أن هدير الطائراتالمسيّرة وتغريدات ترامب المهددة سيعيدان رسم خريطة المنطقة بالدم والنار؟.