حكاية على تلال الضفة ... الشيخ فاروق رمضان حين يصير الرجل أمة في مواجهة المقصلة

الموجز

من يتابع وثائق التاريخ وتحولات الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، يدرك تماماً أن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد إحتكاكات عابرة أو حوادث فردية تتصدر عناوين الأخبار اليومية، بل هو جزء من إستراتيجية متصلة تسعى للسيطرة الكلية على الأرض وتفرغها من أهلها ، وفي قلب هذا المشهد المتلاطم، تبرز بين الحين والآخر قمم شهامة إنسانية ووطنية، يقف عليها رجال يتجاوزون بوقفتهم الحدود الفردية ليصبحوا رموزاً لكتلة حية ترفض الإندثار ، من هؤلاء الرجال، يستوقفك أسم الشيخ فاروق رمضان

الذي تحول موقفه الأخير في قريته بالضفة الغربية إلى نقطة تكثيف شديدة الدلالة على طبيعة الصراع وموازين القوة والعزيمة،

 

 

إن الأعوام الأخيرة شهدت تصاعداً غير مسبوق في ما يُعرف بـ عنف المستوطنين المنظم ،

هذا العنف لم يعد حركة عشوائية من فتية تائهين في التلال، بل أضحى ذراعاً غير رسمية لإستراتيجية الإستيطان التي تهدف إلى

تفكيك التواصل الجغرافي بين القرى والمدن الفلسطينية في الضفة

الغربية ، وخلق بيئة طاردة للسكان من خلال التضييق المباشر والإعتداءات على الممتلكات ،

وقضم المزيد من المساحات المفتوحة وتحويلها إلى البؤر الإستيطانية المشرفة على الأودية والسهول .

في هذا الفضاء المشحون بالخطر، وفي قرية هادئة تحيط بها بؤر إستيطانية تتمدد كخلايا سرطانية فوق القمم، كان الشيخ فاروق رمضان يمارس حياته اليومية المعتادة، متمسكاً ببيته وأرضه التي ورثها أباً عن جد،

الساعات الأولى لتلك الليلة الفارقة ، مع هبوط العتمة فوق التلال، تقدمت مجموعات المسلحين من قطعان المستوطنين بإتجاه أطراف القرية، مدعومين بنبرة من الإستعلاء وتغطية غير معلنة من قوى الأمن التي تؤمن تحركاتهم،

لم يكن الهدف مجرد التخريب التقليدي أو إحراق الشجيرات كما يجري عادة، بل كان إقتحاماً يستهدف ترهيب البيوت المأهولة بالنساء والأطفال، ودفع الأهالي لإخلائها تحت وطأة الخوف والإرهاب النفسي،

الأرض بالنسبة للفلاح الفلسطيني ليست مجرد عقار يُقاس بالمتر المربع، بل هي العرض والكرامة والهوية التي لا يقبل الحساب عليها القسمة على أثنين.

وهنا يظهر الفارق بين من يقاتل بدافع الحق والعاطفة والجذور، وبين من يتحرك بدوافع التوسع الغريب ، في تلك اللحظة التي تراجعت فيها إمكانيات المواجهة الرسمية، برز الشيخ فاروق رمضان،

لم يتردد الشيخ فاروق ، لم ينتظر نجدة تأتي أو خطابات شجب وإستنكار تصدر من عواصم بعيدة ، وقف في وجه المهاجمين بما أتيح له من عزيمة وثبات، مستنداً إلى إيمانه المطلق بأن الدفاع عن بيته وأهله واجب أخلاقي وإنساني ودينى ، قبل أن يكون خياراً

سياسياً ، تحدثت الشهادات الميدانية عن رجل في عقده الخامس أو السادس، وقف كالسد المنيع أمام المهاجمين المدججين بالأسلحة ،

إستطاع الشيخ بصوته وثباته أن يجمع أبناء القرة والشباب حول نقاط التماس الأولية، مانعاً المهاجمين من إختراق الأحياء السكنية الداخلية،

ضحى الشيخ بنفسه لحماية أطفال ونساء البيوت القريبة من خط النار، متحملاً الصدمة الأولى للعدوان،

وأمام هذا الصمود الميداني الشرس ، تحطمت موجة الهجوم الأولى، وإضطر المهاجمون للتراجع بعد أن أدركوا أن إقتحام هذه القرية لن يكون نزهة سهلة،

إن هذه الوقفة البطولية لم تكن مجرد حكاية شجاعة فردية، بل كانت تجلّياً مكثفاً لروح المقاومة الشعبية التي تختزنها الضفة الغربية تحت رماد الإحتلال ، إن الشيخ فاروق رمضان

رمزاً للصمود الأسطوري للفلاح الفلسطيني وحصناً ضد سياسات التهجير،

إن درس الشيخ فاروق رمضان يعيدنا إلى الحقيقة الناصعة التي حاول الكثيرون تغييبها إن الشعوب الحيّة لا تموت، وأن إرادة البقاء لدى الإنسانية هي أصلب من كل الآلات العسكرية،

لقد أثبت هذا البطل الفلسطيني أن القوة الغاشمة مهما بلغت من الطغيان والدعم، تقف عاجزة أمام رجل تصميمُه ينبع من تراب أرضه ، ستظل قصة الشيخ فاروق صفحة مضيئة في سجل النضال الوطني الفلسطيني، وشاهداً حياً على أن الضفة الغربية، رغم كل محاولات التقطيع والقضم، تنجب في كل مرحلة مفصلية من يحمي ثراها ويصون عرضها.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

حكاية على تلال الضفة ... الشيخ فاروق رمضان حين يصير الرجل أمة في مواجهة المقصلة

بقلم ياسر بركات