تنينُ الصمت والمناورة: كيف تقرأ بكين "الشروط الأمريكية" لإطفاء حرائق طهران؟

ياسر بركات
ياسر بركات

بينما تنشغل سماء الشرق الأوسط بأزيز الصواريخ الباليستية وأصداء الانفجارات التي طالت عمق المؤسسات السيادية، تقف الصين على الضفة الأخرى من العالم، تراقب المشهد بعين "التنين" الهادئة التي تخفي وراءها حسابات معقدة تتجاوز حدود الجغرافيا. فمنذ اللحظة الأولى للصدام الإيراني الإسرائيلي الأمريكي، لم تكن بكين مجرد مراقب سلبي، بل كانت الطرف الذي يرى في غبار المعارك فرصاً لإعادة صياغة النظام العالمي، وتهديداتٍ قد تعصف بطريق الحرير الجديد. ومع إعلان الولايات المتحدة عن شروطها الصارمة لإنهاء الحرب، دخل الموقف الصيني مرحلة "الاختبار الحرج"، حيث باتت بكين مطالبة بالموازنة بين تحالفها الاستراتيجي مع طهران، وحاجتها للحفاظ على استقرار تدفقات الطاقة والأسواق العالمية التي يهيمن عليها الدولار.
إن الشروط التي وضعتها واشنطن، والتي تضمنت تفكيكاً كاملاً لشبكات النفوذ الإقليمي الإيراني ووضع قيودٍ نهائية على البرنامج النووي، قوبلت في أروقة قصر "تشونغ نان هاي" بمزيج من الحذر والرفض المستتر. فبالنسبة للصين، لا تمثل إيران مجرد موردٍ رئيسي للنفط بأسعار تفضيلية، بل هي "حجر الزاوية" في استراتيجيتها لمواجهة الهيمنة الأمريكية في غرب آسيا. لذا، فإن القبول بالشروط الأمريكية كما وردت يعني بالنسبة لبكين خسارة حليف جيوسياسي فريد، وتحول المنطقة إلى ساحة نفوذ أمريكي خالص، وهو ما يتناقض تماماً مع رؤية الرئيس "شي جين بينغ" لعالم متعدد الأقطاب.
في لغة الدبلوماسية الصينية التي تميل إلى السرد الهادئ والرزين، بدا واضحاً أن بكين لا تمانع إنهاء الحرب، لكنها ترفض أن يكون ثمن السلام هو "الاستسلام الكامل" لطهران. الصين تدرك أن ترامب، بعقليته التي تميل لفرض الصفقات الكبرى، يحاول استخدام القوة العسكرية لتحقيق ما عجزت عنه العقوبات الاقتصادية لسنوات. ومن هنا، بدأت التحركات الصينية خلف الكواليس لتقديم "بديل" أو "معدل" لهذه الشروط، يضمن بقاء الدولة الإيرانية ككيان فاعل في المنطقة، مع تقديم تنازلات تضمن أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وهو المطلب الذي يتقاطع فيه مصلحة التنين مع مصلحة العالم أجمع.
ومع ذلك، فإن الموقف الصيني يواجه معضلة أخلاقية وسياسية أمام المجتمع الدولي؛ فبكين التي ترفع شعار "عدم التدخل في الشؤون الداخلية"، تجد نفسها اليوم مضطرة للدفاع عن نظام يواجه خطر احتمالية الانهيار تحت ضربات التكنولوجيا العسكرية الغربية. الخبراء الصينيون يحللون الشروط الأمريكية على أنها "فخ استراتيجي" يهدف لجر بكين إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة مع واشنطن، أو إجبارها على تحمل فاتورة إعمار إيران بعد الحرب. لذا، فإن الاستراتيجية الصينية الحالية تعتمد على "التسويف النشط"؛ فهي تدعم مبادرات السلام الأممية لفظياً، بينما تستمر في توفير شريان حياة اقتصادي لطهران عبر قنوات تجارية بديلة، مما يعزز من قدرة القيادة الإيرانية على المناورة أمام المطالب الأمريكية.
إن أخطر ما تخشاه الصين في حال استمرار الحرب أو القبول بالشروط الأمريكية القاسية، هو حدوث "انفجار داخلي" في إيران يؤدي إلى فوضى تمتد آثارها إلى آسيا الوسطى، مما يهدد استثمارات بمليارات الدولارات في مبادرة "الحزام والطريق"، وهي المشروع الصيني العملاق الذي يهدف لربط قارات العالم بشبكة من الطرق والموانئ والسكك الحديدية لتعزيز التجارة والنفوذ الاقتصادي الصيني عالمياً. ومن هنا، يبرز التناقض الصارخ؛ فبينما تريد واشنطن إنهاء "النظام" أو تدجينه بالكامل، تريد بكين الحفاظ على "الدولة" كحائط صد أمام التمدد الأمريكي. هذا الصراع الصامت بين الرؤيتين هو ما سيحدد ملامح السلام القادم. فالصين لن تسمح بمرور الشروط الأمريكية دون "لمسة بكين"، التي تضمن بقاء طهران كلاعب في رقعة الشطرنج العالمية، حتى لو تم تقليم أظافره العسكرية.


في الختام، يبدو أن الموقف الصيني سيظل يتأرجح بين برودة الدبلوماسية وحرارة الميدان. إن بكين تدرك أن الرصاصة الأخيرة في هذه الحرب لن تُطلق من فوهة بندقية، بل ستُكتب في مسودة اتفاق تشارك هي في صياغته.

 فالتنين لا يريد حرباً تحرق آبار النفط، ولا يريد سلاماً يُكتب بحبر أمريكي منفرد. وبين شروط واشنطن وعناد طهران، تظل الصين هي الطرف الذي يملك القدرة على تحويل "يوم الحساب" الإقليمي إلى "صفقة كبرى" تضمن لها مكاناً ثابتاً على قمة النظام الدولي الجديد الذي يولد من رحم النيران الإيرانية.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

تنينُ الصمت والمناورة: كيف تقرأ بكين "الشروط الأمريكية" لإطفاء حرائق طهران؟

بقلم ياسر بركات