كواليس الصفقة الأمريكية الإيرانية وهندسة الشرق الأوسط الجديد
الشرق الأوسط لا يمر بمجرد أزمة عابرة، بل يعيش لحظة إعادة صياغة كاملة لخريطته السياسيةوالإستراتيجية، نحن أمام مشهد يُذكرنا بالأيام الإستثنائية التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث تُرفعخطوط التماس القديمة لتُوضع خطوط جديدة ،
إن ما يجري خلف الأبواب المغلقة في العواصم البعيدة وتحديداً ما شهدته أروقة العاصمة الباكستانيةإسلام آباد، وقبلها مسقط وجنيف ليس مجرد تفاوض لإنهاء حرب إندلعت شرارتها الشرسة في مطلع عام2026، بل هو محاولة بدم بارد لتوقيع صك تهدئة تاريخي بين القوة الأعظم في العالم، الولاياتالمتحدة، والقوة الإقليمية الأكثر عناداً وتغلغلاً في الجغرافيا الآسيوية والعربية، إيران.
إذا أردنا تفكيك المشهد الراهن، فعلينا أولاً أن ننظر إلى العقل السياسي المحرك للطرفين في واشنطن، الرئيس دونالد ترامب بعقليته القائمة على مبدأ البيع والشراء السياسي،
ترامب، الذي أعلن بملء فمه أنه يريد إنهاء الحروب سريعاً، وجد نفسه أمام معضلة إغلاق مضيق هرمزومحاصرة الموانئ الإيرانية، مما هدد أسواق الطاقة العالمية بزلزال غير مسبوق.
وفي المقابل، في طهران، يقف عقل مؤسسي شديد الدهاء والتعقيد، يديره الحرس الثوري بالتعاون معالدبلوماسية الإيرانية بقيادة عباس عراقجي ،هذا العقل الإيراني لا يتفاوض إنطلاقاً من الرغبة فيالإستسلام، بل من رغبة عارمة في إنتزاع إعتراف بـ الأمر الواقع ونفوذه الإقليمي.
إن الصفقة الجاري صياغتها، والتي إمتدت تهدئتها لـ 60 تقوم على أن
تلتزم إيران بفتح مضيق هرمز بالكامل، وإزالة الألغام البحرية، وضمان الملاحة الحرة دون فرض رسوم أوإتاوات بيئية وهي النقطة التي شهدت نقاشاً تفاوضياً محتدماً ،في المقابل، ترفع الولايات المتحدةحصارها البحري الشامل عن الموانئ الإيرانية ،
وتطالب طهران بـ ثمن باهظ للعودة إلى الطاولة، يتمثل في الإفراج الفوري عن نحو 25 مليار دولار منأصول البنك المركزي الإيراني المجمدة في الخارج، لتغطية تكاليف إعادة الإعمار الهائلة التي خلفهاالنزاع الأخير ،
النقطة الأكثر إثارة للدهشة، هي أن مسودة التفاهم الحالية لا تتضمن بنوداً صارمة ونهائية بشأنالبرنامج النووي الإيراني، بل تم ترحيل التفاصيل المعقدة إلى الإتفاق الدائم، مع تعهد شفهي إيرانيبتعليق تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية ونقل مخزونها الحالي البالغ 400 كيلوجرام للمعالجة خارجالبلاد.
هذا الإتفاق، رغم جاذبيته السطحية، مبني على أرضية من الرمال المتحركة ، فالثقة بين الطرفينمنعدمة تماماً ،
إيران ترى في هذه المفاوضات أداة للردع الإستراتيجي وكسب الوقت؛ فهي تستخدم القوة العسكريةالمقننة مثل إسقاط طائرة الأباتشي الأمريكية في بحر عُمان مؤخراً، أو إطلاق الصواريخ بإتجاه إسرائيلللضغط على ترامب وحثّه على كبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي.
أما الإدارة الأمريكية، ورغم رغبة رئيسها في إبرام صفقة القرن الإقليمية ، إلا أن هناك خطوطاً حمراء وضعتها الدولة العميقة ومستشارو البيت الأبيض لن يُسمح لإيران بإمتلاك سلاح نووي تحت أي ظرف،واللجوء إلى القوة الغاشمة يظل خياراً جاهزاً للتنفيذ إذا تلاعبت طهران بالمهل الزمنية.
إن هذا التفاهم الأمريكي الإيراني المؤقت والذي حظي بمباركة هاتفية وتنسيق إقليمي شمل قوىرئيسية مثل مصر والسعودية والإمارات وباكستان وتركيا والأردن يضع الشرق الأوسط أمام مسارين لاثالث لهما:
المسار الأول:
أن تنجح مفاوضات الشهور القادمة في صياغة نظام إقليمي جديد، يعترف بإيران كلاعب محلي شريطةتحجيم طموحاتها النووية وتقييد نفوذ أذرعها في المنطقة هذا المسار سيعني تهدئة الجبهات، والتركيزعلى مشروعات الربط الإقتصادى والممرات التجارية الإقليمية بدعم من القوى الخليجية ومصر.
المسار الثاني: الإنفجار الكبير
وهو المسار الذي يخشاه الكثيرين حيث تصر إسرائيل على أن أي اتفاق لا يفكك البنية التحتية النوويةلإيران، ولا يقضي تماماً على تهديد حزب الله في لبنان حيث أعلنت تل أبيب صراحة أن التهدئة مع إيران لاتشمل الساحة اللبنانية هو إتفاق منقوص ، هذا التباين الحاد في الأهداف قد يؤدي إلى تفجير الإتفاقمن الداخل، لتعود المنطقة إلى حرب إقليمية أوسع تتداخل فيها نيران الصواريخ البالستية وحروبالمسيرات مع خطوط إمدادات الطاقة العالمية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم في منطقة حيث القديم يموت، والجديد لم يولد بعد ، الإتفاق الأمريكيالإيراني ليس صك أمان للمنطقة، بل هو أشبه بهدنة بين ملاكمين منهكين قررا أخذ أنفاسهما قبل الجولة القادمة.
إن الجغرافيا لا تكذب، والتاريخ لا يرحم؛ والشرق الأوسط، بطبيعته الممتدة عبر العصور، لا يقبل الفراغ. وإذا لم تكن الدول العربية الرئيسية هي الطرف الأصيل الممسك بالقلم عند صياغة السطور الأخيرة لهذا الإتفاق، فإنها ستجد نفسها مجبرة على القبول بخرائط هندسها الآخرون في عتمة الليل الدولي.