من قرطاج إلى أصفهان ... الشرق الأوسط في دائرة الحريق الكبير
دعوني أقول لكم، وبغير مبالغة تعتمد على تهويل المشهد أو تهوين الحقائق، إن الإستغراق في قراءة تفاصيل الصورة الراهنة للشرق الأوسط يحتاج منا أولاً إلى الخروج من شرنقـة الحدث اليومي المفرد، للوصول إلى خطوط النار وإرتباطها ببعضها البعض،
حين ننظر اليوم إلى خرائط المنطقة الممتدة من ضفاف المحيط الأطلسي غرباً، وصولاً إلى هضبة أصفهان شرقاً، نجد أنفسنا أمام مشهد لا يمكن إختزاله في أزمات متفرقة أو تصعيد موقت؛ بل نحن أمام حالة من التفكك الهيكلي وإعادة التشكيل بالقوة المسلحة.
في التفكير الإستراتيجي التقليدي، كان يُنظر إلى منطقة المغرب العربي على أنها الخلفية الآمنة أو الرواق الهادئ مقارنة بالمشرق المشتعل دموية ، لكن القراءة الدقيقة تقودنا إلى الإستنتاج بأن هذا السد قد بدأ يتآكل.
فلم تعد الأزمة في تونس مجرد تجاذب سياسي بين قصر قرطاج والمعارضة ، الأرقام تشير إلى أن الإحتجاجات الإجتماعية بلغت ذروتها غير المسبوقة، مع موجات متصاعدة من الغضب فى الشارع ، تونس اليوم تقف على شفا أزمة هيكلية عميقة في إقتصادها ومؤسساتها، حيث يتلاقى العجز الإقتصادي مع حالة من إنسداد الآفاق السياسية.
وعلى الجانب الآخر ، تظل ليبيا نموذجاً شاخصاً لعجز التسويات العابرة للحدود ،على الرغم من المحاولات الإقتصادية والمالية لتوحيد الميزانيات أو فرض تهدئة صلبة بين الأطراف المتنازعة، لكن ترتفع حدة الإشتباكات الميدانية بين الفينة والأخرى،وطرابلس الَان مشتعلة ، لتؤكد أن الدولة اللبيبة لا تزال تعيش فوضى السلاح والشرعيات المتعددة.
إن إشتعال التخوم الشمال إفريقية ليس حادثاً منفصلاً؛ إنه تآكل لخط الدفاع الأول الإستراتيجي للأمن القومي العربي.
وإذا إنتقلنا إلى قلب المشرق، نجد أن ملف إيران النووي قد وصل إلى مرحلة حساسة للغاية ،
تتحدث التقديرات عن تسارع غير مسبوق في الخطوات الإيرانية لترميم قدراتها الباليستية والبنية التحتية لحجم تخصيب اليورانيوم، لا سيما داخل المنشآت المحصنة أعمق في بطون الجبال ، وتسعى تل أبيب للترويج بأن طهران بلغت نقطة اللاعودة بإتجاه القدرة على تركيب رأس نووي.
الخطورة في هذا الملف لا تكمن فقط في إمتلاك إيران للقنبلة من عدمه، بل في العقيدة الإستباقية التي تحكم صانع القرار في إسرائيل الآن؛ فالتهديدات المتزايدة ليست سوى تمهيد لتهيئة البيئة الدولية لقناعة مفادها أن الخيار العسكري بات أمراً لا مفر منه، وهو ما يعزز من إحتمالات الدخول في مواجهة مفتوحة تحرق ما تبقى من أطر الإستقرار الهشة.
في وسط هذه العاصفة الإقليمية، يأتي اللقاء المرتقب والمجدد بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، هذه القمة ليست مجرد لقاء تحالف روتيني، نتنياهو يضغط لإنتزاع غطاء عسكري وسياسي حاسم لإنهاء المخطط النووي الإيراني،
والحفاظ على معادلة الردع دون التورط الكامل في حرب إستنزاف
كبرى ،مع تجنب إنفجار الإقليم بالكامل ومراعاة الضغوط التكتيكية للشركاء الإقليميين.
هناك حالة من التداخل والتعقيد؛ فبينما تحث قيادات أمنية وإستخباراتية سابقة في تل أبيب الإدارة الأمريكية على كبح جماح التصعيد الإسرائيلي وممارسات المستوطنين في الضفة الغربية لمنع إنفجار وشيك للشرق الأوسط، يحاول نتنياهو توظيف الرصيد السياسي والظرف الدولي لإعادة فرض شروطه الكاملة في المنطقة،
إننا لا ننظر إلى أحداث متفرقة، بل إلى سلسلة متصلة من الأواني
المستطرقـة ،فتراجع التماسك في شمال إفريقيا يضعف الإرادة العربية الإقليمية ،وغياب الموقف العربي الموحد يطلق يد إسرائيل في المشرق ،والإندفاع الإسرائيلي يواجه طموحاً نووياً إيرانياً.
الشرق الأوسط لا يمر بأزمة عابرة؛ إنه يعيش مرحلة مخاض وإضطراب شديد الخطورة، حيث تتراجع الأدوات الدبلوماسية التقليدية لتترك الساحة مفتوحة لقوة السلاح، وقرارات القمم المغلقة، على نحو يضع المستقبل الإقليمي بأكمله فوق صفيح من نار.