أبواب الجحيم المفتوحة: ماذا لو استعصت طهران على "الكسر" الأمريكي؟
في غرف القرار في واشنطن وتل أبيب، كان يُفترض أن تكون الضربات العسكرية الأخيرة بمثابة "الرصاصة القاضية" التي ستجبر طهران على الرضوخ لشروط الاستسلام الأمريكية، ولكن الرياح الإيرانية جاءت بما لا تشتهي سفن ترامب. فبدلاً من الانهيار الذي بشرت به التقارير الاستخباراتية، انطلقت الصواريخ الإيرانية في سيمفونية انتقامية مدمرة، مستهدفة عمق المنشآت الحيوية في إسرائيل ومراكز الطاقة والاستقرار في الإمارات. هذا الرد المزلزل ليس مجرد مناورة تكتيكية، بل هو إعلان صريح بأن "عصر الإملاءات" قد ولى، وأن إيران، التي كانت تُوصف بالدولة المحاصرة، قد تحولت اليوم إلى كيان يفرض قواعد اشتباك جديدة، لا تعترف بخطوط واشنطن الحمراء ولا بتهديدات ترامب الجوفاء. فإيران بلغة كرة القدم يكفيها التعادل حتى ولو كان سلبيا فقط لتكون قد حققت الانتصار.
ماذا لو استمر هذا الصمود الإيراني في وجه أعتى الترسانات العسكرية؟ السيناريو هنا يتجاوز مجرد بقاء النظام، ليتحول إلى "زلزال جيوسياسي" سيعيد تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين. أولى تبعات هذا الصمود ستكون انهيار "أسطورة الردع الغربي"؛ فعندما تفشل الضربات الأمريكية في كسر إرادة دولة تُحكم بحزام من العقوبات والقيود، فإن الهيبة الأمريكية ستتلقى ضربة لا يمكن ترميمها. دول المنطقة التي راهنت طويلاً على المظلة الأمنية الأمريكية ستجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، مجبرة على إعادة النظر في تحالفاتها، وقد نرى في الأفق تهافتاً دبلوماسياً باتجاه طهران بحثاً عن "اتفاقيات عدم اعتداء" بدلاً من الرهان على حماية واشنطن التي عجزت عن منع صواريخ الحرس الثوري من اختراق أمن العواصم الخليجية وإسقاط هيبتها الأمنية.
على الصعيد الميداني، فإن استمرار المقاومة الإيرانية يعني أننا مقبلون على حرب استنزاف طويلة الأمد ستستنزف الاقتصاد العالمي، وليس فقط الاقتصاد الإيراني. فإذا ما استمرت الضربات الإيرانية في استهداف موانئ ومنشآت الطاقة، فإن أسعار النفط العالمية ستدخل في دوامة غير مسبوقة، مما قد يؤدي إلى ركود عالمي يضع ضغوطاً هائلة على الإدارة الأمريكية في الداخل. ترامب، الذي بنى حملته على وعود بـ "إنهاء الحروب" وفرض السلام عبر القوة، سيجد نفسه محاصراً بوعوده الخاصة بينما تتصاعد ألسنة اللهب في منطقة تهم العالم بأسره. إن إيران الصامدة ستتحول إلى "ثقب أسود" يبتلع الموارد الأمريكية، ويحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة يستحيل فيها التنبؤ بالنتائج، وهو ما يخدم بالتأكيد استراتيجية "الإرباك" التي تتبناها روسيا والصين لتوسيع رقعة نفوذهما على حساب واشنطن.
أما في الداخل الإيراني، فإن السيناريو الأكثر إثارة هو التغيير الجذري في "عقيدة البقاء". فإيران التي تخرج من هذا الاختبار منتصرة أو على الأقل صامدة، ستتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة تمتلك "شجاعة نووية" تتجاوز امتلاك السلاح في حد ذاته. النصر هنا ليس احتلال عواصم، بل هو إثبات القدرة على البقاء رغم الحصار، وهو ما سيعزز من نفوذ التيار العسكري داخل هيكل الدولة على حساب أي تيار إصلاحي قد يميل للتسوية. طهران ستخرج من هذه المحرقة أكثر تشدداً، وأكثر اقتناعاً بأن قوتها الصاروخية هي الضمانة الوحيدة لبقائها، مما يعني أن المنطقة ستبقى في حالة استنفار دائمة، وسيكون السلاح هو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الجميع.
عربياً، ستؤدي هذه النتيجة إلى إعادة رسم الخارطة الأمنية بالكامل؛ فالمسار الذي بدأ بالتطبيع والبحث عن مظلة إسرائيلية سيُطوى تماماً.
الدول التي كانت تظن أن إسرائيل هي "الحامي البديل" ستدرك أن أمنها لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تفاهمات إقليمية شاملة لا تستثني طهران، وبما يحفظ مصالح الجميع. ستصبح "الندية" هي العنوان العريض للمرحلة القادمة، حيث لا مكان للضعفاء أو التابعين. إن بقاء إيران قوياً وفاعلاً ومقاوماً سيفرض على الجميع، من الخليج إلى المحيط، أن يبتكروا آليات جديدة للتعايش، آليات لا تقوم على القوة الأمريكية، بل على واقع جديد تفرضه صواريخ الحرس الثوري التي غيرت المعادلات قبل أن تتغير السياسات.
في نهاية المطاف، إن سيناريو "إيران التي لا تنكسر" يعني أن العالم قد دخل بالفعل في مرحلة "ما بعد الهيمنة". إن الضربات التي طالت إسرائيل والإمارات هي جرس إنذار بأن المنطقة لن تعود كما كانت، وأن عصر التدخلات الأجنبية السهلة قد انتهى إلى غير رجعة إذا ما استمر هذا الصمود، فإن طهران ستفرض نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي نظام إقليمي جديد، وسيكون ترامب وإدارته أمام خيار واحد: إما قبول إيران كقوة إقليمية ذات نفوذ لا مفر منه، أو دفع المنطقة — والعالم — نحو حافة الانفجار الذي لا ينجو منه أحد.