المتغطي بالأمريكان عريان: هل تُعيد الخديعة الأمريكية إحياء "القوة العربية المشتركة"؟

ياسر بركات
ياسر بركات

شهدت المنطقة العربية في الآونة الأخيرة تحولاً دراماتيكياً في طبيعة العلاقات الاستراتيجية مع الحليف الأمريكي التقليدي، حيث بدأت تتكشف ملامح ما يصفه مراقبون بـ "الخديعة الكبرى". فبعد عقود من الركون إلى مظلة الحماية الأمريكية، وجدت دول المنطقة نفسها أمام واقع جيوسياسي جديد يثبت أن المصالح القومية لواشنطن لم تعد تتطابق بالضرورة مع أمن واستقرار الحلفاء، مما أعاد إلى الواجهة وبقوة مشروع "القوة العربية الموحدة" كضرورة حتمية لا بديل عنها.


لم تعد الريبة العربية تجاه واشنطن مجرد استنتاجات سياسية، بل تحولت إلى يقين استراتيجي بعد الأزمات الأخيرة التي عصفت بأمن المنطقة، لقد كان التردد الأمريكي في الرد على التهديدات المباشرة التي مست أمن الطاقة والملاحة، وبرود الموقف تجاه التحرشات الإقليمية في ملفات الصراع مع إيران، بمثابة "لحظة الحقيقة" التي كشفت هشاشة الالتزامات الأمريكية.


فصانع القرار العربي اليوم بات متأكدا من أن "الضمانات الأمنية" التي كانت توفرها واشنطن أصبحت ورقة للمساومة في الصراعات الحزبية الأمريكية أو أداة للضغط السياسي، بدلاً من كونها التزاماً ثابتاً، إن انكشاف هذا التخلي، خاصة في لحظات التصعيد العسكري التي تطلبت حزماً لم يأتِ، أثبت أن زمن "الشيك على بياض" في الاعتماد على الغرب قد ولى، وأن المظلة الأمريكية باتت مثقوبة لا تقي من عواصف الجوار ومن هنا، جاءت التحركات نحو تنويع الشراكات الدولية ليس كبديل فحسب، بل كرسالة مباشرة لواشنطن بأن الأمن القومي العربي "خط أحمر" ستصونه سواعد أبنائه بقرار سيادي خالص.


وسط هذا الفراغ الأمني الذي خلفه الانكفاء الأمريكي، برز مقترح "القوة العربية المشتركة" كحل جذري لمعضلة التبعية الأمنية. ، ان المعطيات الحالية، وتحديداً "الخديعة الأمريكية" في مواجهة التمدد الإيراني، جعلت منه "خيار الوجود".


تقوم الفكرة على إنشاء درع عسكري عربي متكامل قادر على التدخل السريع، ليس فقط لمواجهة الإرهاب، بل لردع أي قوى إقليمية تطمح لملء الفراغ الذي تركه الحليف المنسحب. إن الانسجام العسكري والسياسي الحالي بين القوى المركزية في القاهرة والرياض والعراق يشكل النواة الصلبة التي يمكن أن يرتكز عليها هذا المشروع، حيث لم يعد الأمر يتعلق بمجرد مناورات تدريبية دورية، بل بإنشاء عقيدة عسكرية موحدة تعتمد على التصنيع الحربي المحلي، التكامل الاستخباراتي، والقدرة على حماية الممرات المائية الاستراتيجية في البحر الأحمر والخليج العربي بقرار عربي مستقل تماماً عن أي "فيتو" أو حسابات أمريكية خارجية.


اليوم عوامل حاسمة تدفع بشدة باتجاه ولادة هذه القوة كرد فعل مباشر على التخلي الأمريكي. حيث تعلمت العواصم العربية أن امتلاك السلاح لا يعني شيئاً دون امتلاك قرار استخدامه، وأن الاعتماد على أساطيل عابرة للقارات أثبت فشله في اللحظات الحرجة، فالقوة الموحدة تعني سيادة القرار العسكري بعيداً عن تقلبات المزاج السياسي في واشنطن أو إنتظار تدخل لن يأتي من الشرق (روسيا- الصين)، وحماية المقدرات الوطنية بجيش عربي موحد يمتلك زمام المبادرة.


إن ظهور هذا التحالف العسكري لم يعد مجرد حلم قومي، بل أصبح ضرورة استراتيجية للبقاء في عالم لا يحترم إلا القوي المنظم. فالدول التي أدركت أن "المتغطي بالأمريكان عريان" هل ستبدأ بالفعل في نسج غطائها الخاص، محولة "الخديعة الأمريكية" إلى صدمة كهربائية لتعيد الروح لجسد التنسيق الدفاعي العربي المشترك.


وهل ستصبح الخديعة الأمريكية بمثابة المحفز الذي يسرع تفعيل ميثاق الدفاع العربي المشترك بصورة عملية. إذا استمرت واشنطن في نهجها الانكفائي وتفضيل مصالحها الضيقة على التزاماتها الدولية التاريخية، ويضع حداً لزمن الارتهان للخارج! الايام حبلى بالكثير.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

المتغطي بالأمريكان عريان: هل تُعيد الخديعة الأمريكية إحياء "القوة العربية المشتركة"؟

بقلم ياسر بركات