هدوء العواصم وصخب الجبهات ... ماذا وراء صمت المدافع في العمق وإشتعالها في الجنوب؟

الموجز

الواقع المقروء برؤية باردة، بعيدة عن الإنفعال، يقول لنا إن الساحات في الإقليم لم تعد جبهات منفصلة، بل تحولت إلى ما يشبه أواني مستطرقة؛ إذا إرتفع منسوب الدم في إحداها، فاض فوراً إلى الأخرى.

حين ننظر إلى المشهد الراهن، نجد أنفسنا أمام نص إستراتيجي معقد، كُتبت مسوداته الأولى في غرف العمليات المغلقة ، وصيغت عناصره الميدانية بلغة النار بين طهران وتل أبيب، مروراً بالجنوب اللبناني.

ما الذي يجري في الشرق الأوسط؟ الإجابة تقتضي منا أن نفتح ملفات العواصم الكبرى، ونقرأ ما وراء السطور ، لنرى كيف تدار هذه المباراة الخطرة فوق حافة الهاوية.

 

 

 

في القراءة لما جرى من قصف متبادل ومباشر بين إيران وإسرائيل، نلحظ أننا إنتقلنا من حرب الظل التقليدية إلى المواجهة العارية ، تشير الضربات المباشرة الأخيرة بين الطرفين إلى إنها لم تكن مجرد ردود أفعال عسكرية، بل كانت محاولة لإعادة ترسيم خطوط حمراء جديدة.

عشية الجولات الأخيرة من القصف، كانت تقديرات الموقف ترى أن كلا الطرفين محكوم بضرورتين متناقضتين،

ضرورة الرد للحفاظ على هيبة الردع أمام الجبهة الداخلية والحلفاء الإقليميين،

وضرورة الضبط لمنع الإنزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ومدمرة تلتهم آبار النفط وطرق التجارة الدولية، لا سيما مع وصول أسعار برميل النفط إلى مستويات قياسية  إثر التوترات في مضيق هرمز.

لقد بدا واضحاً أن الصواريخ التي إنطلقت من وسط وغرب إيران بإتجاه العمق الإسرائيلي، والموجات المضادة التي إستهدفت منشآت حيوية وبتروكيماوية في الداخل الإيراني ،كانت تحمل رسائل سياسية مشفرة أكثر منها رغبة في التدمير الكلي ، كانت كالمبارزة بالسيوف بين خصمين يعرف كل منهما أن طعنة واحدة قاتلة قد تطيح بالسقف فوق رؤوس الجميع.

 

 

إلى أن توقف القصف المباشر فجأة، وظن البعض أن العاصفة قد إنقشعت ، لكن الحقيقة أن هذا التوقف لم يكن سلاماً، بل كان إستراحة محارب فرضتها حسابات معقدة وضغوط دولية هائلة،

إدارة الرئيس دونالد ترامب مارست ضغوطاً مكثفة لوضع حد لهذه المواجهة، مستفيدة من قنوات خلفية في الدوحة وعواصم أخرى ،لقد أدركت واشنطن أن إستمرار النزاع التقليدي المباشر بيهدد بإنهيار كامل للمنظومة الإقتصادية في الخليج، حيث رصدت تقارير صندوق النقد الدولي أضراراً بالغة لحقت بحركة الملاحة وسلاسل الإمداد الغذائي والطاقة.

من هنا، جاء إعلان رئاسة الأركان الإيرانية عن وقف العمليات العسكرية المشروطة بوقف الهجمات الإسرائيلية، بمثابة مناورة سياسية بارعة؛ إذ حاولت طهران تحويل نفوذها العسكري في البر والبحر إلى أوراق تفاوضية على طاولة المباحثات الدبلوماسية المتعلقة بملفها النووي وبسط سيادتها الملاحية،

وهنا نصل إلى العقدة الحقيقية في المشهد الحالي لماذا هدأ قصف طهران وإشتعل الجنوب اللبناني؟

إن الجبهة اللبنانية، وتحديداً الجنوب تحولت تاريخياً إلى صندوق رسائل بالدم بين القوى الإقليمية،

 

حين تضيق مسارات المواجهة المباشرة بين الكبار لخطورتها الوجودية، يتم تفريغ الشحنة الإنفجارية في الساحات الرديفة،

لقد أعلنت تل أبيب بوضوح أنها حتى لو أوقفت ضرباتها في الداخل الإيراني، فإن عملياتها في الجنوب اللبناني مستمرة لإعتبارات تتصل بأمنها المباشر وتفكيك ترسانة حزب الله ، وفي المقابل، ترفض طهران وحزب الله الفصل بين الجبهات، ويعتبران أن أي تسوية للأزمة يجب أن تشمل إنسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الجنوب،

إن ما يجري في الجنوب اللبناني اليوم هو عملية عض أصابع متبادلة،

إسرائيل تريد فرض معادلة أمنية جديدة تضمن عودة سكان الشمال وتأمين حدودها لسنوات قادمة،

إيران وحلفاؤها يريدون إثبات أن أذرعهم الإقليمية لم تنكسر، وأن إغلاق جبهة طهران لا يعني إستفراد إسرائيل بلبنان.

الشرق الأوسط اليوم يعيش فوق صفيح ساخن، تحكمه لغة الهدن الهشة والحروب الموضعية  ، لسنا أمام سلام وشيك، ولسنا بالضرورة أمام حرب عالمية ثالثة، بل نحن أمام حالة من السيولة الإستراتيجية الصعبة ، حيث القوة العسكرية الغاشمة تعجز عن حسم الصراع سياسياً، والدبلوماسية الدولية تتدخل فقط لمنع الإنفجار الكبير دون تقديم حلول جذريّة

 

ستبقى مدافع الجنوب اللبناني تدوي، وستظل الطائرات تحلق فوق دمشق وبيروت، طالما أن الحساب المعلق بين طهران وواشنطن وتل أبيب لم يجد بعد نقطة إرتكازه النهائية على أرض تفاوض صلبة ، وما لم يدرك الجميع أن أمن الإقليم لا يمكن تجزئته، فإن طبول الحرب ستبقى تقرع فوق بحيرة الزيت، بإنتظار شرارة قد لا يستطيع أحد إطفاءها.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

هدوء العواصم وصخب الجبهات ... ماذا وراء صمت المدافع في العمق وإشتعالها في الجنوب؟

بقلم ياسر بركات