"بِحَقِّ فَاطِمَةَ": صلاة العيد في مصر.. حين تُرتل السياسة في محراب العقيدة
لم تكن صلاة عيد الفطر بالأمس في مصر مجرد شعائر دينية لإتمام الصيام، بل تحولت إلى مشهد رمزي كاشف عن طبيعة "الدولة المصرية" وعمقها التاريخي، حين ارتفع صوت الإمام بدعاء هزّ أرجاء المصلى: "اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها.." هذا الدعاء، الذي يحمل في طياته إرثاً روحياً ممتداً، لم يمر مرور الكرام، بل فتح باباً للتأويل والتحليل حول دلالاته في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تزامناً مع الحرب المستعرة بين الولايات المتحدة وإيران، وفي ظل تمرد أوروبي تقوده روما ضد سياسات واشنطن المتخبطة.
في خضم هذا المشهد، تعالت أصوات بعض الكتاب الخليجيين في محاولة لانتقاد الحالة المصرية، زاعمين أن ما يعيب الشعب المصري هو كونه "شعباً مسيساً" بامتياز، في إشارة واضحة لاعتراضهم على الموقف الشعبي المصري الصلب في كراهية الاحتلال الصهيوني. وكيف لا يكون مسيساً وكل منزل في مصر ما زال يتذكر شهيداً قدمه بصدر رحب للحفاظ على الكرامة واستعادة الأرض؟ إن هذا الشعب الذي يقرأ ما بين السطور ويربط بين طقوسه الدينية ومحيطه السياسي يثبت يوماً بعد يوم أن هذه "السياسة" ليست عيباً، بل هي الميزة الكبرى التي حصنت مصر عبر العصور ضد الأفكار المتطرفة والدخيلة التي حاول البعض نشرها.
إن الشعب المصري ليس "شعباً يساق" أو قطيعاً يوجهه الإعلام كيفما يشاء، بل هو شعب "صانع للمؤسسات". فمصر دولة مؤسسات راسخة، والوعي السياسي لدى المواطن البسيط هو صمام أمان وليس أداة للمكايدة، حين يدعو الإمام بآل البيت في لحظة صراع إقليمي، فهو لا يمارس "مكايدة سياسية" لطرف ضد آخر، بل يعبر عن "الوجدان المصري" الذي يرى في آل البيت رمزاً للوحدة والمدد، كيف لا وهوى المصري مع آل البيت الذين شرفوا مصر بقدومهم إليها واستوطنوا قلوب أهلها.
وفي الوقت نفسه، يبعث هذا المشهد برسالة مفادها أن مصر، بجيشها ومؤسساتها، ليست بعيدة عن نبض الشارع وهموم الأمة.
هذا الوعي الشعبي المصري يتقاطع اليوم مع مشهد دولي مرتبك؛ فبينما كان المصريون يكبرون للعيد، كانت التقارير العالمية تتحدث عن إصابة أسطورة الطائرة الأمريكية F-35 فوق الأجواء للمرة الأولى عالمياً بالسلاح الإيراني، واشتعال مصفاة حيفا بصواريخ "نصر الله"، وهنا تبرز أهمية "الشعب المسيس" الذي يدرك تماماً أن الدعاء بآل البيت هو دعاء للنصرة وطلب المدد، وليس اصطفافاً مذهبيا، الوعي المصري يفرق جيداً بين الخلافات السياسية وبين الهيمنة الأمريكية التي تحاول إذلال المنطقة، وهو استياء يشاركه فيه حلفاء واشنطن أنفسهم.
فقد شهدت الساعات الأخيرة خروجاً إيطالياً صريحاً عن "بيت الطاعة" الأمريكي، حيث صرحت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني برد حاسم على ضغوط ترامب، مؤكدة أن “ترامب هو رئيس الولايات المتحدة، لكنه لا يملك حق التحكم في قرارات الدول الأوروبية السيادية”، وهذا الموقف الإيطالي يعكس ضيقاً أوروبياً عاماً من محاولات واشنطن جر القارة، بل العالم كله، نحو صراعات تدمر الاقتصاد والأمن، وهو ما يثبت أن الوعي بضرورة "استقلال القرار" بات صرخة عالمية تلتقي مع نبض المصريين.
إن المكايدة السياسية هي شأن الصغار، أما الدول الكبرى كجمهورية مصر العربية، فتتحرك وفق استراتيجيات مؤسسية رصينة.
إن الشعب المصري الذي وصفه الكاتب الخليجي بأنه "يعيبه تسييسه"، هو نفسه الشعب الذي وقف خلف مؤسساته لمنع انجرار البلاد إلى حروب بالوكالة، وهو الشعب الذي يحرص على استقرار الدول العربية كلها والحفاظ على أمنها وسلامتها واستقلال قرارها السياسي، التهديدات المتبادلة بين موسكو وتل أبيب وبين طهران، كلها تعقيدات يدركها "المواطن المسيس" في مقاهي القاهرة وأسوان والإسكندرية، وهو يدرك أن قوة مصر تكمن في استقلال قرارها السيادي وفي وعي شعبها الذي لا تنطلي عليه محاولات "التسويق" السياسي الخارجي.
في النهاية، يبقى الدعاء بآل البيت في صلاة العيد رسالة مصرية خالصة: نحن دولة ذات جذور، وشعب يرفض التبعية، وإذا كان "التسييس" يعني فهم أبعاد الصراع من حيفا إلى "نيفاتيم"، ومن واشنطن إلى روما، فهذا فخر للمصريين. مصر ليست ساحة للمكايدة، بل هي المنارة التي يرتفع فيها صوت الحق، بينما تتحطم أساطير السلاح فوق صخور الواقع الجديد.