مشروع الحرية.. كيف أعادت السعودية والكويت رسم خرائط القوة بين واشنطن وطهران؟
في لحظة بدت فيها المنطقة وكأنها تقف على حافة إنفجار واسع، جاء الإعلان الأمريكي المفاجئ عن تأجيل ما سُمّي بـ مشروع الحرية ليكشف أن الشرق الأوسط لم يعد يتحرك فقط وفق الرغبات الأمريكية، بل وفق شبكة معقدة من المصالح والحسابات الخليجية والإيرانية والدولية.
وما بين مكالمة هاتفية عاجلة أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورفض الرياض والكويت إستخدام مجالهما الجوي وقواعدهما العسكرية في أي تصعيد جديد ضد إيران، ثم الحديث عن خطة سلام جديدة تتداخل فيها الصين وباكستان ودول أخرى، بدا واضحاً أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة تماماً ، بما يمكن القول بأنه أول إعتراف أمريكي بأن ميزان القوة في الخليج لم يعد يسمح بقرارات أحادية، وأن واشنطن أكتشفت فجأة أن الحلفاء التقليديين لم يعودوا مستعدين لتحمل كلفة حرب مفتوحة مع إيران ، مشروع الحرية كان يقوم على فكرة تأمين الملاحة في مضيق هرمز عبر قوة بحرية وجوية واسعة تقودها الولايات المتحدة، بعد تصاعد التوترات والهجمات المتبادلة في الخليج. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في البحر، بل في الجو فالخطة الأمريكية إحتاجت إلى إستخدام المجال الجوي والقواعد العسكرية في السعودية والكويت ودول خليجية أخرى لتأمين الغطاء الجوي وحماية السفن وخطوط الإمداد ،غير أن المفاجأة، جاءت من الموقف السعودي ، الرياض شعرت بالإستياء لأن واشنطن أعلنت المشروع بشكل متسرع دون تنسيق كافٍ مع الحلفاء الخليجيين.
وتحدثت تقارير عن أن السعودية رفضت السماح للطائرات الأمريكية بإستخدام بعض القواعد أو المرور عبر مجالها الجوي في إطار العملية الجديدة، وهو ما وضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق عسكري وسياسي معقد ، دول الخليج، وعلى رأسها الكويت والسعودية، باتت ترى أن الأولوية القصوى هي منع إنتقال الحرب إلى الداخل الخليجي، خصوصاً بعد الهجمات والطائرات المسيّرة التي إستهدفت منشآت ومطارات ، هنا بالضبط ظهرت أهمية المكالمة الهاتفية بين ترامب وولي العهد السعودي، الرئيس الأمريكي حاول إحتواء الأزمة وإقناع الرياض بإعادة فتح المجال الجوي أمام الخطة الأمريكية، لكن المكالمة لم تنجح في إزالة الخلافات بالكامل، وهو ما دفع واشنطن في النهاية إلى تجميد المشروع مؤقتاً لكن الحقيقة الأعمق، أن السعودية والكويت لم تكونا تتحركان فقط بدافع الخوف من الحرب، وإنما أيضاً إنطلاقاً من رؤية جديدة للعلاقة مع إيران.
فمنذ المصالحة السعودية الإيرانية التي رعتها الصين قبل سنوات، والخليج يحاول بناء معادلة مختلفة تقوم على تقليل التوترات بدلاً من الإنخراط في صراعات مفتوحة. أدركت العواصم الخليجية أن أي حرب واسعة مع إيران لن تكون مجرد معركة عسكرية عابرة، بل تهديد مباشر لإقتصادات المنطقة وأسواق الطاقة وخطط التنمية الكبرى، خاصة المشاريع السعودية الضخمة المرتبطة برؤية 2030.
ولذلك بدا واضحاً أن الرياض والكويت تميل إلى إدارة الصراع مع إيران عبر التهدئة والتفاهمات الأمنية أكثر من الإعتماد الكامل على القوة الأمريكية ،هذا التحول وضع واشنطن أمام واقع جديد، فالإدارة الأمريكية التي كانت تراهن دائماً على الدعم الخليجي الكامل، أكتشفت أن دول الخليج أصبحت تملك هامشاً أوسع من الإستقلال السياسي، وأنها لم تعد مستعدة للدخول في معارك لا تضمن نتائجها ،ومن هنا بدأ الحديث عن خطة السلام الجديدة ، بعض التسريبات تحدثت عن مشروع تفاهم مؤقت بين واشنطن وطهران يقوم على تخفيف التوتر في مضيق هرمز مقابل تخفيف جزئي للعقوبات وفتح قنوات تفاوض جديدة.
كما أشارت تقارير إلى وجود وساطات تقودها باكستان وعُمان، بينما تتابع الصين المشهد عن قرب بإعتبارها الطرف الأكثر إستفادة من إستقرار إمدادات الطاقة القادمة من الخليج ، ولذلك لم يكن غريباً أن تتزامن كل هذه التحركات مع الحديث عن زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين، فترامب، الذي يسعى إلى إعادة ترتيب أوراق السياسة الخارجية الأمريكية، يدرك أن الصين أصبحت طرفاً رئيسياً في أي معادلة تخص الخليج وإيران.
كما أن واشنطن تعرف أن بكين تملك علاقات متينة مع طهران والرياض في الوقت نفسه، وهو ما يمنحها قدرة على التأثير لا تستطيع الولايات المتحدة تجاهلها ،بعض التحليلات ذهبت إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن تأجيل مشروع الحرية لم يكن فقط نتيجة الرفض الخليجي، بل أيضاً جزءاً من محاولة أمريكية لتهيئة مناخ أقل توتراً قبل زيارة ترامب للصين، حتى لا تتحول الزيارة إلى ساحة مواجهة جديدة بين القوتين الكبيرتين حول الشرق الأوسط والطاقة ،واللافت أن إيران تابعت هذه التطورات بإعتبارها إنتصاراً سياسياً ومعنوياً، فالإعلام الإيراني ركز على أن دول الخليج لم تمنح واشنطن تفويضاً مفتوحاً للحرب، وأن الموقف السعودي والكويتي يعكس إدراكاً متزايداً بأن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر المواجهة العسكرية فقط.
وفي المقابل حاولت الإدارة الأمريكية تقديم قرار التأجيل بإعتباره خطوة تكتيكية مرتبطة بالمفاوضات الجارية، وليس نتيجة ضغوط خليجية ،لكن في السياسة ، ليست العبرة بما يقال أمام الكاميرات، وإنما بما يجري خلف الأبواب المغلقة. وما جرى في أزمة مشروع الحرية يكشف أن الخليج لم يعد مجرد ساحة تتحرك فيها القوى الكبرى، بل أصبح لاعباً قادراً على تعديل الحسابات الأمريكية نفسها ،لقد أرادت واشنطن أن تقدم نفسها بإعتبارها الحارس الوحيد للممرات البحرية والطاقة العالمية، لكنها فوجئت بأن الحلفاء التقليديين باتوا يفضلون التهدئة على المغامرة، وأرادت إيران أن تظهر بمظهر القوة القادرة على فرض معادلات جديدة في الخليج، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن استمرار التوتر يهدد إقتصادها ومستقبلها الداخلي ،أما الصين، فإنها تتحرك بهدوء شديد، مستفيدة من تراجع الثقة الخليجية في الحروب المفتوحة.
ومن رغبة الجميع في البحث عن تسويات تحفظ المصالح وتمنع الإنفجار الكبير، وهكذا، فإن تأجيل مشروع الحرية لم يكن مجرد قرار عسكري عابر، بل كان إعلاناً عن مرحلة جديدة في الخليج، مرحلة تتراجع فيها لغة الإملاءات، وتتصاعد فيها لغة التوازنات الدقيقة، وفي قلب هذه المرحلة تقف السعودية والكويت، ليس فقط بإعتبارهما حليفين لواشنطن، وإنما باعتبارهما دولتين تحاولان إعادة تعريف أمن الخليج بعيداً عن منطق الحرب الدائمة.
وربما يكون السؤال الحقيقي الآن: هل نحن أمام هدنة مؤقتة تسبق إنفجاراً أكبر، أم أمام بداية نظام إقليمي جديد تتقاسم فيه واشنطن وبكين وطهران والعواصم الخليجية قواعد اللعبة الجديدة؟