زلزال في مضيق هرمز: عراقجي في "مهمة المستحيل"
قد يظن البعض أن جولة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى إسلام آباد ومسقط ثم موسكو، هي مجرد رحلة دبلوماسية روتينية في جدول أعمال مزدحم، لكن القراءة العميقة لما وراء الخبر تشير إلى أننا أمام مشهد دراماتيكي يذكرنا بأزمات القرن الماضي الكبرى. نحن هنا لا نتحدث عن زيارات مجاملة، بل عن "دبلوماسية حافة الهاوية" في أدق صورها.
إيران اليوم، وهي تلملم جراحها بعد الضربات الجوية التي إستهدفت منشآتها، وتواجه ضغوطاً داخلية هائلة، تدرك أن "ساعة الحقيقة" قد دقت في واشنطن. وهذه الجولة ليست إلا محاولة أخيرة لرسم "خريطة طريق" للنجاة، أو ربما لتأمين جبهات القتال إذا ما قرر "البيت الأبيض" العبور من التلويح بالعصا إلى كسر العظام.
المحطة الأولى: إسلام آباد..
لم تكن باكستان يوماً مجرد جار لإيران، بل هي "صندوق الرسائل" المغلق بين طهران والغرب عراقجي ذهب إلى إسلام آباد ليبحث عن "ضمانات أمنية". باكستان تلعب الآن دور "المسهل" لجولة ثانية من مفاوضات وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.
المعادلة الصعبة: إسلام آباد تحاول الموازنة بين علاقتها الإستراتيجية بواشنطن وبين حاجتها لإستقرار جارتها الغربية لمنع إنفجار "قوس الأزمات" في المنطقة.
المحطة الثانية: مسقط.. "الغرفة الخلفية" الدائمة
إذا كانت إسلام آباد هي "بريد الحرب"، فإن مسقط هي "مطبخ السلام". في سلطنة عمان، لا تُصنع السياسة بالخطابات الرنانة، بل بالهمس خلف الأبواب المغلقة.
الجولة الحالية في مسقط تهدف لفك عقدة "الخطوط الحمراء". إيران تصر على عدم نقل اليورانيوم المخصب للخارج، بينما تصر إدارة ترامب على "تفكيك كامل" للقدرات الصاروخية.
والوزير الإيراني يحاول إستثمار "هدوء العاصفة" العماني لإنتزاع تنازلات إقتصادية تخفف خناق العقوبات.
المحطة الثالثة: موسكو.
عندما يتجه وزير خارجية إيران إلى موسكو في نهاية جولته، فهو يذهب ليقول للغرب: "لسنا وحدنا" روسيا، المنخرطة في صراعاتها الخاصة، تجد في الورقة الإيرانية وسيلة للضغط على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
"إن التحالف الإيراني الروسي في هذه اللحظة ليس تحالف أيديولوجيات، بل هو تحالف خنادق، موسكو توفر لطهران المظلة الدولية في مجلس الأمن، وطهران توفر لروسيا جبهة إستنزاف تشغل واشنطن عن الساحة الأوروبية."
لكن السؤال الكبير : إلى أين تسير العلاقات الأمريكية الإيرانية؟
الحقيقة المرة أننا لا نشهد "شهر عسل" دبلوماسي، بل "مبارزة بالخناجر" في غرفة مظلمة إدارة ترامب، التي أثبتت أنها لا تتردد في إستخدام القوة الصلبة (كما حدث في ضربات فبراير 2026)، تتبع إستراتيجية "التفاوض تحت النار".
واشنطن تريد "إتفاقاً شاملاً" ينهي نفوذ إيران الإقليمي للأبد، مستغلة حالة الضعف الراهنة للقيادة في طهران.
المناورة الإيرانية: عراقجي، وهو الدبلوماسي المحنك، يحاول كسب الوقت. هو يدرك أن ترامب، رغم حزمه، يكره "الحروب الطويلة" ويبحث عن "صفقة" يبيعها للناخب الأمريكي كإنجاز تاريخي.
نحن أمام مشهد معقد؛ فإيران تتحرك في مساحة ضيقة جداً بين "السقوط الداخلي" و"الضربة الخارجية القاضية". جولة عراقجي هي محاولة لترميم "جدار الردع" الدبلوماسي.
إن العلاقات الأمريكية الإيرانية تتجه نحو أحد مسارين لا ثالث لهما:
إتفاق الضرورة: "صفقة كبرى" مفاجئة برعاية عمانية-باكستانية، تعيد رسم توازنات القوى، مقابل رفع جزئي للعقوبات.
الإنفجار الشامل: إذا فشلت هذه الجولة في تقديم تنازلات ملموسة في موسكو ومسقط، فإن "طبول الحرب" التي تسمع أصداؤها في مضيق هرمز قد تتحول إلى واقع يغير وجه الشرق الأوسط لعقود قادمة.
إن التاريخ يعلمنا أن القوى العظمى لا ترحم الضعفاء، لكنها تحترم "المناورين الأذكياء"فهل ينجح عراقجي في العودة من رحلته بـ "غصن زيتون" يحمل في طياته بقاء النظام، أم أنه عاد ليجهز الملاجئ لليوم التالي؟
الأيام وحدها تملك الإجابة، لكن الدخان المتصاعد من مطابخ السياسة في مسقط وإسلام آباد يشير إلى أن الطبخة قد اقتربت من النضج.. أو الاحتراق.