غرفة العمليات.. حين تتكلم القوة وتساوم السياسة: ماذا دار في لقاء ترامب مع مجلس الأمن القومي؟
في لحظات التاريخ الفارقة، لا تُدار السياسة من على المنابر، بل من داخل غرف مغلقة، حيث تختلط خرائط القوة بحسابات الزمن، وحيث تُوزن الكلمات بميزان الحرب والسلام، هكذا بدا المشهد في واشنطن، عندما أجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع فريقه للأمن القومي في ما يشبه “مجلس حرب”، لكن بأدوات السياسة.
لم يكن اللقاء عادياً، بل جاء على وقع تصعيد عسكري، وتعثر تفاوضي، ومبادرة إيرانية تحمل في ظاهرها مرونة، وفي جوهرها محاولة لكسب الوقت.
طهران قدمت عرضاً مفاجئاً يقوم على إعادة فتح مضيق هرمز الشريان الحيوي للطاقة العالمية مقابل تأجيل النقاش حول البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة .
هذا الطرح لم يكن بريئا، بل عكس إنقساماً داخلياً داخل النظام الإيراني، ومحاولة لتخفيف الضغط العسكري والإقتصادي دون تقديم التنازل الأكبر" الملف النووي".
ومن هنا، جاء قرار ترامب بعقد إجتماع عاجل مع فريقه للأمن القومي، في غرفة العمليات، لبحث هذا العرض وتداعياته .
لم يكن النقاش حول “هل نقبل؟” بل “كيف نقبل أو نرفض؟ وبأي ثمن؟”
الموقف الأمريكي كما أكد البيت الأبيض ظل ثابتاً عند خطوط حمراء لا تقبل التأويل:
ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز
تفكيك أو تسليم مخزون اليورانيوم المخصب
منع إيران من إمتلاك سلاح نووي بشكل نهائي .
لكن ما وراء هذه العناوين، يكشف عن إنقسام داخل الإدارة نفسها بين تيارين:
تيار أول (الواقعيون): يرى أن العرض الإيراني فرصة لإلتقاط الأنفاس، وإحتواء التصعيد، خاصة في ظل المخاطر الإقتصادية العالمية.
تيار ثانٍ (الصقور): يعتبر أن تأجيل الملف النووي هو فخ إستراتيجي، يمنح طهران وقتاً لإعادة بناء قدراتها.
وهنا، يتجلى أسلوب ترامب: ليس رفضاً فورياً، ولا قبولاً سريعاً، بل إبقاء جميع الخيارات على الطاولة.
المحصلة التي خرج بها الإجتماع وفق التسريبات يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط:
عدم إتخاذ قرار نهائي بشأن المبادرة الإيرانية حتى الآن
الإستمرار في الضغط العسكري والإقتصادي كأداة تفاوض.
فتح الباب لدبلوماسية مشروطة، ولكن بشروط أمريكية صارمة.
بعبارة أخرى، واشنطن لم ترفض العرض الإيراني، لكنها لم تمنحه شرعية أيضاً. إنها سياسة “التعليق المدروس”.
نستطيع القول أن هذا الإجتماع أعاد رسم مسار التفاوض الأمريكي الإيراني إلى الإنتقال
من “اتفاق شامل” إلى “إتفاق مرحلي”.
تشير التقارير إلى أن النقاش بات يدور حول صفقة مؤقتة، تُعالج القضايا العاجلة مثل الملاحة والطاقة، مع تأجيل القضايا المعقدة .
وإدخال وسطاء جدد
الدور الباكستاني، وربما الروسي لاحقاً، يعكس أن المفاوضات لم تعد ثنائية، بل أصبحت جزءاً من لعبة توازنات دولية.
ورغم كل الحديث عن المبادرات، فإن جوهر الأزمة لم يتغير منذ سنوات، ويمكن تلخيصه في ثلاث قضايا:
البرنامج النووي:
واشنطن تطالب بوقف كامل للتخصيب، بينما تصر طهران على حقها السيادي في تطوير برنامجها .
النفوذ الإقليمي:
الولايات المتحدة تريد تقليص دور إيران في المنطقة، بينما تعتبر طهران ذلك جزءاً من أمنها القومي.
العقوبات الإقتصادية:
إيران تريد رفعاً فورياً وشاملاً للعقوبات، بينما تستخدمها واشنطن كورقة ضغط رئيسية.
وحسب تحليلات قريبة من دوائر صنع القرار، الخيارات الأمريكية تدور بين ثلاثة سيناريوهات:
ضربة عسكرية واسعة (مكلفة وخطيرة)
إستمرار الضغط والعقوبات (طويل ومُرهق)
إتفاق سياسي مع تنازلات متبادلة (غير مرضٍ بالكامل) .
وفي هذا السياق، يصبح إجتماع ترامب ليس مجرد حدث، بل نقطة إرتكاز في تحديد أي من هذه المسارات سيسود.
إن ما جرى في غرفة العمليات لم يكن نقاشاً حول إيران فقط، بل حول مستقبل النظام الدولي نفسه.
فالولايات المتحدة لا تفاوض طهران بإعتبارها دولة، بل بإعتبارها “نموذجاً” يجب ضبطه.
وإيران لا تتفاوض على ملف نووي فقط، بل على “إعتراف ” بدورها الإقليمي.
وبين هذا وذاك، تتحول المفاوضات إلى ساحة إختبار لإرادة القوة.