قمة جدة… من يحمي الخليج؟ وكيف؟ وبأي ثمن؟
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس الإجتماعات بعدد البيانات الصادرة، وإنما بقدرتها على إلتقاط روح اللحظة التاريخية. وهكذا جاءت القمة التشاورية لدول مجلس التعاون الخليجي في جدة، ليس بإعتبارها لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل كإجتماع إضطراري فرضته وقائع الميدان قبل حسابات السياسة.
فالمشهد الإقليمي لم يعد يحتمل التأجيل: حرب مفتوحة أو شبه مفتوحة مع إيران، ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة طالت منشآت حيوية، وقلق متصاعد على شرايين الطاقة والتجارة العالمية. في هذا السياق، لم يكن إنعقاد القمة خيارًا، بل ضرورة إستراتيجية.
هذه القمة هي الأولى من نوعها منذ إنخراط دول الخليج بشكل مباشر في تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، وأن هدفها الأساسي كان صياغة “رد جماعي” على الهجمات الإيرانية التي إستهدفت البنية التحتية الحيوية في المنطقة .
وهنا تتضح نقطة جوهرية: القمة لم تُعقد لمناقشة إحتمال أزمة، بل لإدارة أزمة قائمة بالفعل. وهذا فارق بالغ الدلالة. فالدبلوماسية هنا لم تعد وقائية، بل أصبحت تفاعلية، تسعى لإحتواء تداعيات واقع متفجر.
منذ تأسيس مجلس التعاون عام 1981، ظل مفهوم “الأمن الجماعي” هدفًا معلنًا، لكنه في كثير من الأحيان ظل رهين التباينات السياسية. أما في قمة جدة، فقد بدا أن التهديد المباشر أعاد صياغة الأولويات.
البيان الختامي ركز على تعزيز التكامل الدفاعي ورفض تهديد الملاحة الدولية، خاصة في مضيق هرمز . وهذا يعكس تحولًا من التنسيق السياسي إلى محاولة بناء منظومة ردع حقيقية، أو على الأقل الإقتراب منها.
لكن اللافت أن هذا التحول لا يخلو من التحديات. فقد ظهرت إنتقادات من داخل البيت الخليجي نفسه بشأن “ضعف الرد الجماعي” ، وهو ما يكشف أن القمة لم تحسم الخلافات بقدر ما وضعتها على الطاولة.
إن دول الخليج لم تعد تقبل بدور المتلقي للسياسات، بل تسعى لصياغة موقف جماعي مستقل نسبيًا، خاصة بعد تذبذب الموقف الأمريكي في التعامل مع إيران. وأن هناك محاولة ولو متأخرة لبناء جبهة موحدة.
وهنا يبرز ما يمكن تسميته بـ”الإستقلال النسبي” في القرار الخليجي. فالدول الخليجية، تحاول تحقيق توازن دقيق لا تريد القطيعة مع واشنطن، لكنها أيضًا لا ترغب في الإرتهان الكامل لها.
لم تكن القمة عسكرية الطابع فقط، بل حملت بعدًا إقتصاديًا واضحًا. فالهجمات على المنشآت النفطية وتهديد الملاحة في الخليج لم تعد مسألة أمنية فقط، بل تهديد مباشر للإقتصاد العالمي.
وقد أشارت تقارير إلى أن القمة ناقشت مشاريع إستراتيجية هامة ، وتسريع خطوات التكامل الإقتصادى .
وهنا تظهر معادلة جديدة،
الأمن لم يعد يحمي الإقتصاد فقط، بل الإقتصاد أصبح جزءًا من معادلة الأمن.
ورغم الصورة الجماعية التي حاولت القمة إبرازها، فإن الواقع أكثر تعقيدًا. فهناك إختلافات في مستوى التمثيل، وتباينات في الرؤى تجاه إيران، بل وحتى إختلاف في تقييم مستوى التهديد.
بعض الدول تميل إلى التهدئة والوساطة، بينما ترى أخرى أن الوقت قد حان لرد أكثر صرامة. هذه الثنائية بين الردع والدبلوماسية تمثل أحد أبرز التحديات أمام أي مشروع لوحدة خليجية حقيقية.
لكن ما يميز قمة جدة هو أنها جاءت في لحظة ضغط إستثنائي.
وهنا يطرح سؤال مهم:
هل نحن أمام تحول دائم في طبيعة العمل الخليجي، أم مجرد إستجابة ظرفية لأزمة عابرة؟
الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت هذه القمة ستترجم إلى سياسات ملموسة، أم ستظل مجرد محطة في سجل الإجتماعات.
في النهاية، يمكن القول إن قمة جدة وضعت دول الخليج أمام خيارين إستراتيجيين:
التحول إلى كتلة إقليمية متماسكة تمتلك أدوات الردع والتأثير.
أو البقاء في إطار التنسيق المحدود الذي يتأثر بالخلافات الداخلية والضغوط الخارجية.
بهذا المعنى، لم تكن قمة جدة مجرد لقاء تشاوري، بل كانت في جوهرها لحظة إختبار تاريخي. إختبار لقدرة الخليج على الإنتقال من “فكرة التعاون” إلى “حقيقة التكتل”.
وفي عالم يتغير بسرعة، حيث تتراجع اليقينيات وتتصاعد المخاطر، قد لا يكون أمام دول الخليج ترف الوقت. فإما أن تعيد تعريف نفسها كقوة إقليمية موحدة، أو تظل ساحة تتقاطع فوقها حسابات الآخرين.
وهكذا، فإن القمة بكل ما حملته من رسائل لم تُنهِ الأسئلة، بل فتحت الباب لأسئلة أكبر:
من يحمي الخليج؟ وكيف؟ وبأي ثمن؟