بين 14 بندًا ومضيق مغلق.. مفاوضات واشنطن وطهران في زمن الإنكار المتبادل

ياسر بركات
ياسر بركات

في لحظة تبدو أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ مفاوضات تحت النار ، تعود العلاقة بين واشنطن وطهران إلى مربعها الأكثر تعقيدًا، حيث تختلط الدبلوماسية بالردع العسكري، وتتشابك أوراق التفاوض مع خرائط الملاحة في مضيق هرمز، ذلك الشريان الذي لا يمر منه النفط فقط، بل تمر عبره أيضًا رسائل القوة والضعف في آن واحد.


فهناك عرض إيراني من أربعة عشر بندًا، يقابله رفض أمريكي غير معلن التفاصيل، وبينهما مساحة رمادية من الإنكار المتبادل، تُخفي أكثر مما تُظهر.


إيران قدمت خطة من 14 بندًا وصفتها بأنها خريطة لإنهاء الحرب والتصعيد، ركزت على قضايا أساسية مثل رفع العقوبات، وإنسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، ووقف العمليات العسكرية المرتبطة بإسرائيل في لبنان. 


لكن اللافت أن إيران تعمدت ترك الملف النووي في الظل، أو على الأقل تأجيله إلى مرحلة لاحقة من التفاوض. هذا الغياب لم يكن تفصيلاً، بل كان جوهر الخلاف.


واشنطن، من جانبها، لم تنفِ وجود المقترح، لكنها رفضت مضمونه، ونفت طهران ما تردد عن تقديم تنازلات نووية، مؤكدة أن خطتها ركزت على وقف التصعيد أولاً. 


هنا تتجلى واحدة من أخطر ظواهر التفاوض الإتفاق على وجود عرض، والإختلاف على مضمونه.
اللافت في هذه الجولة من المفاوضات ليس فقط الخلاف، بل طبيعة هذا الخلاف، فكل طرف يتحدث عن نص مختلف، وكأننا أمام وثيقتين لا وثيقة واحدة.


الإدارة الأمريكية ترى أن العرض الإيراني يتجنب الإلتزامات الحقيقية، بينما تصر طهران على أن واشنطن تسوق رواية غير دقيقة عن البنود، خاصة فيما يتعلق بالنووي.


هذا النمط من الإنكار ليس جديدًا في العلاقات الدولية، لكنه هنا يأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا، لأنه يحدث في ظل حرب مفتوحة جزئيًا، وضغوط إقتصادية متصاعدة، وأزمة طاقة عالمية.


وبلغة أوضح إننا أمام مفاوضات بلا نص موحد، حيث يستخدم كل طرف الغموض كأداة تفاوض، لا كعائق، يبقى البرنامج النووي الإيراني رغم غيابه الظاهرى هو العقدة المركزية.


الولايات المتحدة تعتبر أن أي إتفاق لا يتضمن قيودًا واضحة على تخصيب اليورانيوم هو إتفاق ناقص، بل وخطر. 

 في المقابل، ترى إيران أن إدخال الملف النووي في هذه المرحلة يعني تسميم المفاوضات قبل أن تبدأ.


وهذا التكتيك الإيراني يهدف إلى فصل الملفات ،إيران تريد تثبيت وقف التصعيد العسكري،ثم الإنتقال  إلى التفاوض النووي بشروط مختلفة.


لكن واشنطن تخشى أن يؤدي هذا الفصل إلى إضفاء شرعية مؤقتة على وضع نووي متقدم، دون ضمانات لاحقة، وإذا كان النووي هو قلب الأزمة، فإن مضيق هرمز هو ذراعها الضاربة.


قرار إيران بفرض واقع جديد في المضيق سواء عبر التهديد أو التحكم في المرور  أعاد تشكيل قواعد اللعبة، فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية أصبح أداة تفاوض بإمتياز.


في هذا السياق، جاء إعلان الرئيس الأمريكي عن عملية توجيه السفن ، كخطوة تحمل أبعادًا إنسانية وسياسية في آن واحد.


ترامب قدم المبادرة بإعتبارها جهدًا إنسانيًا لمساعدة السفن العالقة ، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستساعد في إخراجها بأمان. لكن خلف هذا الخطاب الإنساني، تكمن رسالة واضحة، واشنطن لن تقبل بتحول المضيق إلى أداة سيادية إيرانية مغلقة.


إيران، من جانبها، ردت بتحذير صريح ،أي مرور دون تنسيق معها سيُعتبر إنتهاكًا، وقد يُقابل برد عسكري، وهكذا يتحول المضيق إلى ساحة إختبار للإرادات، لا مجرد ممر مائي.


كماترى إيران أن هذه الخطوة محاولة لـتدويل المضيق، وهو ما ترفضه بشدة، معتبرة أن أمنه يقع ضمن سيادتها، لا يمكن فهم هذه الأزمة دون النظر إلى تأثيرها على الإقتصاد العالمي. فقد أدت التوترات في المضيق إلى إرتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ، وسط مخاوف من إضطراب الإمدادات.


وهنا يظهر عامل جديد في المعادلة ألا وهو الضغط الداخلي على الإدارة الأمريكية، حيث ينعكس إرتفاع أسعار الطاقة مباشرة على الناخب الأمريكي.
وبالتالي، فإن قرار توجيه السفن ليس فقط قرارًا إستراتيجيًا، بل أيضًا قرار داخلي بإمتياز.
 

المؤشرات الحالية تقول  إيران تتمسك بعرضها وتلوح بالمضيق ، الولايات المتحدة ترفض العرض وتتحرك ميدانيًا ، الوسطاء وعلى رأسهم باكستان، يحاولون إبقاء قنوات الإتصال مفتوحة.


لكن الحقيقة الأعمق هي أن الطرفين لم يصلا بعد إلى نقطة الألم الكافية التي تدفعهما لتقديم تنازلات حقيقية، تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية وكأنها تُدار في منطقة الظل حيث تختفي الحقائق خلف التصريحات، وتتحول البنود إلى أدوات سياسية أكثر منها نصوصًا قانونية.


البنود الأربعة عشر ليست مجرد عرض تفاوضي، بل هي إنعكاس لرؤية إيرانية لإعادة ترتيب الإقليم، أما الإنكار الأمريكي، فليس رفضًا فقط، بل محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة.


وبين هذا وذاك، يبقى مضيق هرمز هو المسرح الحقيقي، حيث تُكتب فصول الصراع بلغة لا تحتاج إلى ترجمة
لغة القوة، والردع، والإنتظار، وفي هذه اللغة تحديدًا، لا تُحسم المفاوضات على الطاولة فقط، بل في الممرات الضيقة التي تعبرها السفن… أو تُمنع من العبور .

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين 14 بندًا ومضيق مغلق.. مفاوضات واشنطن وطهران في زمن الإنكار المتبادل

بقلم ياسر بركات