طبول الحرب فوق رمال الخليج.. قراءة في خريف الردود المتقاطعة
طبول الحرب فوق رمال الخليج ... قراءة في خريف الردود المتقاطعة ... عندما تصبح الحرب الأمريكية خدمة عسكرية لإسرائيل
عندما كتب دونالد ترامب على منصته تروث سوشيال أن الرد الإيراني على مقترحات السلام الأمريكية هو رد غير مقبول تماماً، لم يكن يمارس سياسة رجل الصفقات فحسب، بل كان يضع المنطقة على حافة هاوية لا يدرك أحد عمقها، طهران قدمت في مايو 2026 نصف إستسلام مغلفاً بـ نصف كبرياء، لكن واشنطن بإيعاز من تل أبيب تريد إستسلاماً كاملاً لا يكون لإيران فاعلية في الإقليم .
إننا هنا أمام مشهد سريالي؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه البيت الأبيض عن سلام الصقور، تشتعل النيران في مضيق هرمز، إيران التي تجد نفسها محاصرة بإنهيار الريال وإحتجاجات الداخل، قررت أن تلعب لعبة حافة الهاوية فى ردها الأخير، الذي رفضه ترامب، وكان يتضمن رفع الحصار البحري ووقف حرب الطائرات المسيرة، مقابل تفكيك منظومة العقوبات، لكن ترامب، الذي يرى العالم من ثقب إسرائيل أولاً، إعتبر أن الإيرانيين يتلاعبون بالوقت، وكأننا أمام إعادة إنتاج لمأساة عام 1914، حيث الجميع يسيرون نحو الحرب وهم يظنون أنهم يمنعونها .
هنا، وفي قلب هذا الإعصار، تأتي تصريحات الأمير تركي الفيصل، مدير الإستخبارات السعودية الأسبق، لتضع النقاط على الحروف بـ مشرط الجراح ، الأمير الذي قضى عقوداً في دهاليز صناعة القرار العالمي، لم يتردد في توصيف الصراع القائم بأنه حرب نتنياهو بإمتياز.
مؤكداً أن ما نشهده ليس دفاعاً عن القيم الديمقراطية كما تزعم واشنطن، بل هو تنفيذ لـ أجندة إسرائيل الكبرى ، تلك التي تمتد أطماعها من النيل إلى الفرات .
إن وصف الفيصل للحرب الأمريكية بأنها حرب إسرائيل ليس مجرد رأي سياسي، بل هو كشف حساب لإستراتيجية واشنطن التي أصبحت في نظره تتصرف كـ ذيل يُحركه الكلب الإسرائيلي ، هذه الشهادة من رجل إستخبارات من طراز رفيع تعني أن الفجوة بين الحليف الأمريكي والواقع الخليجي قد أتسعت إلى حد لم يعد من الممكن ردمه بالبيانات الدبلوماسية التقليدية .
الخليج هذا القلب النابض للطاقة العالمية يجد نفسه اليوم
أمام ثلاثة مسارات لا رابع لها ،
مسار فصل المسارات: وهو ما تسعى إليه دول الخليج بحذر، عبر محاولة عزل الملفات الإقتصادية والتنموية عن التوتر العسكري ، لكن هذا المسار يواجه معضلة مضيق هرمز؛ فكيف تبني مدناً
والمسيرات الإنتحارية تحلق فوق مياة الخليج ؟
مسار الحياد الملغم : حيث تحاول عواصم الخليج الوقوف في المنطقة الرمادية، وترفض إستخدام أراضيها لضرب إيران، وتطالب إسرائيل بوقف التوسع ، لكن هذا الحياد يتعرض لضغط هائل من ترامب، الذي لا يؤمن بـ المناطق الرمادية، بل بمبدأ من ليس معي فهو ضدي.
مسار الإنفجار الكبير: حيث تؤدي لعبة الصغار (الوكلاء) وعناد الكبار (ترامب والقيادة الإيرانية) إلى مواجهة مباشرة تحرق الأخضر واليابس، وتخرج المنطقة من خارطة التأثير العالمي لعقود. إن الدراما التي تعيشها المنطقة في مايو 2026 ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لغياب العقل الإستراتيجي العربي الواحد.
عندما يصرخ الأمير تركي الفيصل بأن نتنياهو هو من يقود ترامب، فإنه يحذر من أن السفينة تسير بلا بوصلة نحو صخور المأساة.
إيران ترفض التنازل عن أوراق قوتها الإقليمية، وترامب يرفض أي رد لا يتضمن ركوعاً كاملاً ، وإسرائيل تقتنص اللحظة لتصفية حسابات تاريخية وتوسعية ، وبين هؤلاء، يقف الخليج العربي مطالباً برسم نظام أمني إقليمي جديد، لا يعتمد على المظلة الأمريكية التي أثبتت أنها قد تتحول في أي لحظة إلى مظلة إسرائيلية تحمي مصالح تل أبيب بدم العربي وماله.
إننا نعيش لحظة ما بعد الحقيقة، حيث الحرب تسمى سلاماً، والإحتلال يسمى دفاعاً، وفي هذا الخريف العاصف، يبقى السؤال المعلق فوق رمال الخليج: هل نملك الشجاعة لنقول لا لكل الأجندات التي لا ترى في هذه الأرض إلا ساحة للرماية أو بئراً للنفط؟
التاريخ يراقب.. والجغرافيا تنتظر والوقت ليس محايد ابدا