بين ظلال السور العظيم ونيران مضيق هرمز ..العالم يبحث عن شفرة النجاة

ياسر بركات
ياسر بركات

لم يكن المشهد في قاعة الشعب الكبرى ببكين مجرد لقاء بروتوكولي بين قمتي الهرم الدولي بل كان  في تقديري  جلسة إستماع للتاريخ ،حين وقف دونالد ترامب أمام شي جين بينج في منتصف مايو 2026، ولم يكن يحمل معه ملفات التجارة المعلقة أو أزمة الرقائق الإلكترونية فحسب، بل كان يحمل فوق كتفيه كرة نار تتدحرج بسرعة من شواطئ الخليج، حيث رائحة البارود في الحرب الأمريكية الإيرانية باتت تزكم أنوف العواصم الكبرى.


نحن نعيش الآن لحظة السيولة الشاملة ، حيث القواعد القديمة تتهاوى، والقوى الجديدة لم تفرغ بعد من صياغة بدائلها ،ومن هنا فإن قراءة ما جرى في بكين، وما يجري في مياه مضيق هرمز، تفرض علينا العودة إلى أصول الأشياء، الواضح أن عام 2026 هو عتبة لنظام عالمي جديد، قد لا يشبه أي شيء عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.


إن ترامب ذهب إلى الصين وهو يحاول ممارسة سياسة حافة الهاوية التي يتقنها ، لكنه وجد أمامه صيناً مختلفة ،صيناً تدرك أن أمريكا الجريحة في صراعها مع إيران، تحتاج إلى مخرج لا يكسر هيبة القوة العظمى.


 بكين عرضت تهدئة في مضيق هرمز، وضغطاً على طهران لضمان تدفق النفط، مقابل تنازلات أمريكية مؤلمة في ملف تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي وسيادة تايوان.


كان شي جين بينج يتحدث بلغة المصير المشترك، لكن عينيه كانت ترقب الوهن في الموقف العسكري الأمريكي المنهك بضربات الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية الإيرانية التي إستهدفت قواعدةفي المنطقة.


هناك إعتراف ضمني بأن الحرب مع إيران لم تكن نزهة كما تصورها صقور البيت الأبيض، وإغلاق مضيق هرمز لم يكن مجرد تهديد، بل واقعاً فرضته إيران، مما أدى إلى قفزة في أسعار الطاقة العالمية هزت أركان الإقتصاد الغربي.


وواشنطن تجد نفسها اليوم بين مطرقة ضرورة تغيير النظام في طهران لضمان أمن إسرائيل، وسندان الإستنزاف الإقتصادى الذي بدأ يهدد السلم الاجتماعي داخل الولايات المتحدة نفسها.


إذا أردنا أن نضع أصبعنا على النبض الحقيقي لمستقبل النظام الدولي، علينا أن نعرف أننا ننتقل من العالم أحادي القطب إلى عالم الأقطاب المتصارعة ،
إن عام 2026 هو العام الذي إنتهت فيه أسطورة السيطرة المطلقة ، نحن نتحول إلى نظام المربعات مربع أمريكي أوروبي، ومربع صيني روسي، وبينما يحاول الطرفان التوازن، تبرز قوى إقليمية مثل إيران وتركيا والهند كلاعبين يملكون حق الفيتو الميداني، إن ما جرى في بكين لم يكن صلحاً ، بل كان هدنة المحاربين المتعبين ، ترامب عاد إلى واشنطن وهو يدرك أن العصا الغليظة لم تعد كافية لترويع التنين أو كبح جماح الثورة في إيران.


العالم يسير نحو المركزية الآسيوية ، وبينما تنشغل أمريكا بحروبها في الشرق الأوسط، تبني الصين جسوراً إقتصادية تمتد من قلب إفريقيا إلى موانئ أوروبا ، نحن أمام مشهد جنائزي لنظام بريتون وودز القديم، وولادة قيصرية لنظام دولي لا يعترف إلا بموازين القوى على الأرض، لا بالخطابات فوق المنابر.


لقد غادر ترامب الصين، وبقيت النيران مشتعلة في الخليج، وبين هذه وتلك، يكتب التاريخ فصلاً جديداً، يبدو فيه أن الغرب  لم يعد هو القدر الوحيد للبشرية، وأن الشرق قرر أخيراً أن يسترد مقعده في قيادة السفينة.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

بين ظلال السور العظيم ونيران مضيق هرمز ..العالم يبحث عن شفرة النجاة

بقلم ياسر بركات