عناق التنين والدب.. قراءة في خطوط الطول والعرض للقمة الأخطر في بكين

ياسر بركات
ياسر بركات

قبل أن ندخل إلى تفاصيل المشهد المعقد في بكين، علينا أن نضع أمامنا خريطة العالم كما هي الآن، لا كما نتمناها ، إن الناظر إلى حركة التاريخ يدرك أن اللقاءات الكبرى بين القادة ليست مجرد بروتوكولات تُلتقط فيها الصور وتبتسم فيها الوجوه أمام عدسات المصورين، بل هي تجسيد لحركة جيوسياسية تجري تحت سطح الأرض، لتعيد تشكيل القارات وموازين القوى، نحن اليوم أمام مشهد فريد؛ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحل ضيفاً في بكين على صديقه اللدود وحليفه الضروري شي جين بينج. 

هذه الزيارة التي تأتي في توقيت بالغ الأهمية، وبعد أيام قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعاصمة الصينية، تحمل في طياتها من الأسرار والخطوط المتقاطعة ما يجعلها نقطة تحول كبرى، ليس فقط في مسار الحرب الأوكرانية أو الصراع في بحر الصين الجنوبي، بل في صياغة النظام الدولي بأسره، وصولاً إلى إرتداداتها الساخنة على رمال الشرق الأوسط المشتعلة،
تدرك بكين أن أمن الطاقة لديها يقع تحت رحمة مضيق هرمز، ومضيق ملقا، وهي ممرات بحرية مكشوفة أمام البحرية الأمريكية من هنا، يصبح الغاز الروسي طوق نجاة جيوسياسي للصين، يضمن لها تدفق الطاقة بعيداً عن أي حصار بحري مستقبلي، في مقابل شريان حياة مالي موسع لموسكو التي تخوض حرب إستنزاف قاسية.


توقيت الزيارة، الذي جاء مباشرة بعد قمة ترامب - شي، يحمل رسالة بالغة الذكاء من بكين ، الصين تريد أن تقول لواشنطن إنها مركز الدبلوماسية العالمية، وأنها لا تضع بيضها كله في سلة التفاهمات مع الإدارة الأمريكية الجديدة، بوتين بدوره جاء ليقيس مدى صلابة الشراكة بلا حدود التي أُعلنت سابقاً، والتأكد من أن الإنفتاح الصيني الأمريكي المؤقت لن يكون على حساب المصالح الإستراتيجية للكرملين.


إلا أن السر الأخطرفى تلك الزيارة يكمن في تحول طبيعة العلاقات الثنائية ، روسيا، ورغم محاولاتها الظهور بمظهر الند، تندمج تدريجياً في دور الشريك الأصغر للصين؛ حيث قفز التبادل التجاري إلى مستويات قياسية تتجاوز 228 مليار دولار، ما يعني أن الدب الروسي بات يربط أمنه الإقتصادي والتكنولوجي بشكل شبه كامل ببوصلة التنين الصيني.
ويبقى السؤال هل ولد النظام متعدد الأقطاب من رحم قمة بكين، أم أننا بصدد صياغة أخرى؟


الواقع يشير إلى أننا لا نعيش نهاية الهيمنة الأمريكية بضربة قاضية، بل نعيش مرحلة السيولة الدولية الممتدة ، إن ما يحدث ليس ديمقراطية دولية تتوزع فيها القوى بعدالة، بل هو تشكل لمحور أوراسي صلب يحاول خلق نظام موازٍ للنظام الغربي، نظام له مؤسساته المالية مثل مجموعة بريكس، وشبكات طاقته، ومنظوماته التكنولوجية المستقلة عن الدولار الأمريكي.


إن بكين وموسكو لا تسعيان فقط لتعديل قواعد اللعبة الدولية الحالية، بل تعملان على كتابة كتاب قواعد جديد كلياً، يستند إلى فكرة مناطق النفوذ الكبرى والمصالح الأمنية غير القابلة للتجزئة.
ومع ذلك، هناك نقطة ضعف في هذا القطب الصاعد: الصين قوة إقتصادية وتكنولوجية محافظة لا ترغب في صدام شامل يدمر عولمتها، بينما روسيا قوة عسكرية ومستعدة لكسر الأواني الزجاجية للنظام الدولي، هذا التباين يجعل القطبية الجديدة حالة من التحالف القلق وليست كتلة صلبة كما كان عليه الحال في زمن الحرب الباردة.

 

وتمثل إيران الضلع الثالث غير المعلن في هذه القمة ، فروسيا، بحاجتها إلى الدعم العسكري الإيراني في جبهات أوكرانيا، والصين، بوصفها المشتري الأكبر للنفط الإيراني، تجدان في إستقرار النظام في طهران مصلحة إستراتيجية ، الصراع في الشرق الأوسط، وتحديداً التوترات المستمرة المحيطة بـ مضيق هرمز، تجعل الصين أكثر إصراراً على تسريع صفقات الطاقة البرية مع روسيا. 

وفي الوقت نفسه، ترى موسكو في أي إشتعال لجبهات الشرق الأوسط فرصة ذهبية لتشتيت الإنتباه العسكري والموارد المالية الأمريكية بعيداً عن الساحة الأوكرانية.


إن الإنشغال الأمريكي بإحتواء روسيا ومواجهة الصين، يفتح الباب واسعاً أمام بكين لتقديم نفسها كـ صانع سلام بديل وغير منحاز، ومستندة إلى نجاحها السابق في المصالحة السعودية الإيرانية، القمة الروسية الصينية تعزز من هذا التوجه عبر التنسيق في مجلس الأمن لتبني مواقف تناهض الرؤية الأمريكية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتركيز على إقامة دولة فلسطينية كجزء من إعادة صياغة التوازنات الإقليمية.


ويمثل إضطراب الملاحة في البحر الأحمر معضلة حقيقية ناقشتها القمة ، فالصين، التي تعتمد على مبادرة الحزام والطريق، يتأثر إقتصادها سلباً بتوقف سلاسل الإمداد عبر قناة السويس ، وهنا يظهر التناقض  في حين قد ترى روسيا في هذه القلاقل إستنزافاً للغرب، تضغط بكين بهدوء خلف الكواليس لضمان ألا تؤدي أزمات الشرق الأوسط إلى تفجير الإقتصاد العالمي الذي يعتمد عليه صعودها كقطب أول.


إن زيارة بوتين إلى بكين لم تكن مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل كانت أشبه بقرع الأجراس إيذاناً بدخول العالم في عصر ما بعد الغرب.


أننا لسنا أمام عالم متعدد الأقطاب بالمعنى المستقر، بل نحن في مرحلة الإنتقال الخطرة؛ حيث القوى القديمة تكافح للإحتفاظ بمواقعها، والقوى الجديدة تتقدم بحذر لكن بإصرار لتأخذ مكانها تحت الشمس ،والشرق الأوسط، كما كان دائماً عبر التاريخ، يظل هو المرآة التي تنعكس عليها صراعات العمالقة، والساحة التي تدفع ثمن إعادة ترتيب الكراسي الموسيقية على مسرح السياسة الدولية، إن التنين والدب قد إتفقا على صياغة عالم جديد، والسؤال ليس هل سينجحان؟ بل هو: ما هو الثمن الذي ستدفعه بقية الأطراف في قارات العالم الخمس؟ 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

عناق التنين والدب.. قراءة في خطوط الطول والعرض للقمة الأخطر في بكين

بقلم ياسر بركات