اليورانيوم المخصب والوساطة الأخيرة.. هل ينفـ.ـجر الشرق الأوسط في الساعات القادمة؟

ياسر بركات
ياسر بركات

حين يصدر المرشد الأعلى في طهران توجيهاً قاطعاً ومحسوماً، يقضي بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال نقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد عناد تفاوضي، بل نستطيع القول  بأن هذا الموقف ينبع من عقيدة إستراتيجية ترى في هذا المخزون، الرابض تحت ركام المنشآت التي إستهدفتها جولات الصراع الأخيرة، شبكة الأمان الأخيرة للدولة،
المنطق الإيراني. 

كما يتبدى من خلال القراءة العميقة، يرى أن تقديم هذا التنازل ونقل اليورانيوم إلى الخارج لن يجلب السلام، بل سيعري البلاد إستراتيجياً ويتركها لقمة سائغة أمام أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي مباغت في المستقبل، هناك حالة من الشك العميق تسود أروقة القرار في طهران بأن الهدوء الحالي ليس سوى خديعة تكتيكية أمريكية لإعادة ترتيب الأوراق، قبل الإنقضاض من جديد.

 

 بناءً على ذلك، تبحث إيران عن صيغ بديلة مثل تخفيف النسبة تحت إشراف دولي صارم، لكن دون تفريط في المادة نفسها، في الوقت نفسه الذي كانت فيه طهران تصيغ ردها النهائي على المقترحات الأمريكية الإفتراضية لإنهاء الحرب، كان قائد الجيش الباكستاني يصل إلى طهران في مهمة وصفت  بأنها محاولة اللحظة الأخيرة لمنع الإنفجار الكبير.


إن إسلام آباد، وبحكم الجغرافيا المعقدة والروابط الأمنية، تجد نفسها في عين العاصفة إذا ما تداعت الأوضاع في جارتها الغربية ، الجنرال الباكستاني لم يأتِ لتقديم النصح الأخلاقي، بل جاء يحمل بين يديه مسودة إتفاق مؤقت شاق ومُعقد، هذا الإتفاق يتضمن بنوداً بالغة الحساسية منها إعادة فتح مضيق هرمز فوراً وبشكل كامل، إنهاء الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية
إطلاق جولة مفاوضات نووية شاملة وعلنية خلال 30 يوماً، إن التحرك الباكستاني ، يمثل جسر الإتصال الأخير المتبقي بين إدارة دونالد ترامب في واشنطن، وبين القيادة في طهران، لردم الفجوات التي لا تزال تتسع حول عقدة اليورانيوم المخصب.


إن المعلومات المتوفرة من وكالات الأنباء ترسم سيناريو بالغ التعقيد؛ فطهران لم تعد تتحدث بلغة التراجع، بل إن مصادر عسكرية إيرانية صرحت بوضوح لوسائل إعلام دولية بأنها إمتلكت وصنّعت أسلحة حديثة محلياً لم تُستخدم بعد في المعارك السابقة ، مشددة على أن ضبط النفس لن يكون خيارها هذه المرة إذا ما تجددت الضربات، نحن الآن أمام معادلة صفرية تتكثف في الساعات القليلة القادمة، إما أن تنجح الوساطة الباكستانية الرفيعة في إقناع الطرفين بصيغة تسوية تضمن بقاء اليورانيوم تحت رقابة صارمة دون خروجه، مقابل رفع الحصار الإقتصادي والبحري، ومن ثم التمهيد للقاء مباشر في إسلام آباد،
وإما أن تصر واشنطن وتل أبيب على شرط إخراج المخزون النووي بالكامل، وهو ما جابهه المرشد الأعلى بالفيتو القاطع، مما يعني أن الهدنة الهشة الحالية قد تنفجر في أي لحظة، ليعود هدير الطائرات وصوت الصواريخ إلى الواجهة.


إنني أرى، ومن واقع قراءتي لتاريخ هذا الإقليم الممتد عبر العقود، أن الشرق الأوسط يقف الآن على مقصلة الخيارات الصعبة ، إن قرار حظر نقل اليورانيوم ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو إعلان سيادة وقرار مواجهة ، وفي المقابل، فإن المهلة التي يمنحها البيت الأبيض تضيق دقيقة بعد دقيقة، الساعات القادمة ليست مجرد وقت يمر على ساعات اليد؛ بل هي جزيئات ثقيلة من التاريخ تُكتب بحبر القلق والترقب، فإما سلام يفكك الأزمة، وإما إنفجار شامل يعيد رسم خرائط النفوذ بالدم والنار ، وبين هذا وذاك، تظل طهران الليلة العاصمة الأكثر سُخونة وترقباً على وجه

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

اليورانيوم المخصب والوساطة الأخيرة.. هل ينفـ.ـجر الشرق الأوسط في الساعات القادمة؟

بقلم ياسر بركات