لماذا صمتت مدافع البيت الأبيض بعد ساعتين من النقاش العاصف؟
بين صفقات الغرف المغلقة ولحظة الإنفجار: ماذا يدور في عقل ترامب تجاه طهران؟
حين يجلس دونالد ترامب في غرفة العمليات فى إجتماع عاصف إمتد لساعتين ، ثم يخرج دون قرار حاسم، فإن هذا يعني ببساطة أن الطبخة الكبرى بلغت مرحلة الغليان، لكن المقادير لم تنضج بعد في مطبخ السياسة الدولية،
بالأمس القريب ، إعلن ترامب عبر منصته الرقمية عن الوصول إلى تفاهمات مبدئية لتمديد وقف إطلاق النار الذي بدأ في أبريل الماضي، لكنه سرعان ما دخل إلى غرفة العمليات ليجد نفسه أمام معضلة إستراتيجية لا تحلها لغة الصفقات العقارية التي يتقنها.
سألت نفسي، وأنا أتابع الشاشات ماذا يريد دونالد ترامب من إيران ومن هذا الشرق الأوسط المعذب بالحروب؟
والإجابة تتبدى في شقين
مضيق هرمز الجغرافيا السياسية للممرات المائية أولاَ يريد ترامب فورًا، وبلا شروط، ودون رسوم أو ألغام ، هذا ليس كرمًا إنسانيًا، بل هو عصب الإقتصاد العالمي المهدد بنذر ركود مرعب نتيجة الحصار والحصار المضاد.
ثانياً: التفكيك النووي الكامل يصر الرجل على صياغة معادلة يجري بموجبها إنتشال اليورانيوم عالي التخصيب من تحت ركام المواقع الإيرانية التي طالها القصف، وتدميره بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع إنتزاع تعهد أبدي بأن طهران لن تملك القنبلة.
بالمقابل، ما الذي يعرضه ترامب؟ هو يعرض رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية على مراحل، والإفراج المشروط عن الأصول المجمدة ، وهنا تكمن فجوة الثقة الكبرى ، طهران وعبر ما تسرب من وكالاتها كـ فارس ومواقف التيار المحافظ المحيط بالمرشد مجتبى خامنئي ترفض تقديم تنازلات سيادية مجانية؛ وترى أن أي حديث عن إتفاق لم يُحسم بعد، وأنها لن تقبل بوعود فضفاضة لرفع العقوبات بل تطالب بآليات تنفيذية فورية.
فحين إجتمع ترامب بالأمس مع أركان حربه وفي مقدمتهم وزير دفاعه بيت هيجسيث المتأهب دائمًا لم يكن يبحث عن تفاصيل تقنية، بل كان يصطدم بـ حقائق القوة على الأرض،
إن التقارير الإستراتيجية تفيد بأن طهران، برغم كل ما تلقته من ضربات موجعة وبرغم الحصار الخانق، إستطاعت أن تثبت نظرية الردع بالمضيق ، لقد أدركت واشنطن أن قدرة إيران على شل حركة الملاحة في مضيق هرمز هي سلاح إستراتيجي لا يقل خطورة عن السلاح النووي نفسه.
لذلك، إنتهى إجتماع الساعتين دون إعلان القرار النهائي ،خرج المتحدث باسم البيت الأبيض ليقول الرئيس لن يوقع إلا على إتفاق يحمي المصالح الأمريكية ويلتزم بالخطوط الحمراء، بينما طار وزير الدفاع إلى سنغافورة ليعلن بنبرة تحذيرية أن واشنطن مستعدة وقادرة على إستئناف الحرب إذا تراجعت طهران ، هذا التناقض الظاهري بين التبشير بالسلام والتلويح بالقوة هو الجوهر الحقيقي للمدرسة البراجماتية الأمريكية في عهد ترامب التفاوض تحت النار،
إن الشرق الأوسط، يعيش لحظة تشبه تلك اللحظات التي تسبق عواصف الخريف؛ فالكل يبحث عن مخرج، لكن لا أحد يريد أن يبدو في مظهر المتراجع ، ترامب يريد مَجداً شخصياً بصفقة قرن جديدة تُنهي الصراع مع إيران وتضمن أمن حلفائه وفي مقدمتهم إسرائيل، وإيران تريد البقاء وحفظ عناصر قوتها الإستراتيجية وسط محيط متلاطم.
وبين التفاهمات المعلنة بالأمس، وإجتماع الساعتين في غرف العمليات المغلقة، يكمن الشيطان في التفاصيل ، والواضح لي، ومن خلال قراءة متأنية لحركة التاريخ، أن المنطقة لن تشهد سلاماً دائمًا بلمسة زر، وإنما نحن بصدد إدارة أزمة طويلة الأمد، قد تهدأ جبهاتها لشهور، لكن فتيلها يظل مشتعلًا تحت الرماد، بإنتظار من يملك الشجاعة أو الجنون لإطفائه أو تفجيره