ثلاث سنوات على زلزال أكتوبر.. سقوط أوهام السيطرة وحتمية الحق الفلسطيني

ياسر بركات
ياسر بركات

إن ما حدث في السابع من أكتوبر لم يكن محض حدث عابر أو نوبة غضب طارئة، بل كان تفجيراً هائلاً في جدار الاستقرار المزعوم الذي توهمت أطراف عديدة إمكانية بنائه فوق الحقوق التاريخية والجغرافية للشعب الفلسطيني.


أن الفعل الذي وقع في ذلك اليوم ينطوي كلياً وفي جوهره على مفهوم مقاومة العدو المحتل، فالانفجار كان نتيجة طبيعية ومنطقية لسنوات طويلة من الحصار المنظم، وإغلاق الآفاق السياسية، ومحاولة تجريف القضية الفلسطينية من مضمونها الوطني.


لقد ساد في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية لسنوات وهمٌ مفاده أن الملف الفلسطيني يمكن تجميده أو تجاوزه عبر ترتيبات شكلية أو حلول اقتصادية جزئية ،غير أن القراءة الدقيقة تقول أن القوة الانفجارية لأكتوبر أعادت ترتيب الأولويات الدولية رغماً عن الجميع، وأكدت أن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقُهما بمعزل عن إيجاد حل عادل وشامل لأصل الأزمة وجذرها المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي.


لا يمكن لعين منصفة أو قلم مسؤول أن يتجاوز التكلفة الإنسانية المروعة التي دفعها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية ، إن مشاهد الدمار، وفقدان آلاف الأرواح، وتدمير البنى التحتية، تمثل فاجعة إنسانية بكل المقاييس.


لكن تخبرنا تجارب التاريخ الحديث من حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي إلى حرب فيتنام ضد النفوذ الأمريكي أن الشعوب التي تخوض معارك التحرر الوطني تدفع دائماً أثماناً باهظة وفادحة من دماء أبنائها.

 

 في هذه المعارك، لا تُقاس النتائج بمنطق الخسائر المادية المباشرة أو بميزان القوى العسكرية التقليدي، بل بقدرة الإرادة الوطنية على الصمود وتعطيل الأهداف الاستراتيجية للطرف المحتل.
إن تل أبيب رغم استخدامها أقصى درجات القوة الغاشمة لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة بإبادة فكرة المقاومة أو إنهاء حضورها، إن استمرار المقاومة وتجدد أدواتها بعد كل هذا المدى الزمني يشيران إلى حقيقة أن المقاومة ليست مجرد تشكيلات تنشأ وتزول، بل هي حالة شعبيّة ووجودية ترتبط بوجود الاحتلال نفسه، وتستمد بقاءها من عدالة القضية وحتمية المطالبة بالحقوق.

 

ومن أهم الآثار الجانبية والعميقة التي فرضتها أحداث الأعوام الثلاثة الماضية، ذلك التحول الراديكالي الذي طرأ على مجتمعات الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية. لقد أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً غير مسبوق في مستويات الدعم التقليدي للمؤسسة الإسرائيلية، خصوصاً بين أوساط الشباب والأجيال الشابة في الجامعات الغربية.


لقد أسهمت الحرب في كشف زيف الخطابات المزدوجة المعايير؛ إذ باتت النخب الثقافية والسياسية في الغرب تجد صعوبة بالغة في الدفاع عن ممارسات الاحتلال أمام رأي عام أصبحت تُتاح له المعرفة والصورة المباشرة بعيداً عن الرقابة التلقائية للإعلام التقليدي. 
إن منطق إدارة الصراع القديم قد انهار، وأن القوة العسكرية المفرطة تعجز عن توفير الأمن والاستقرار لأصحابها إذا كانت تبنى على حساب حرمان شعب آخر من حقه الطبيعي في الحياة والحرية،
إن المدى الزمني للصراعات الإنسانية قد يطول، وقد تتخلله مراحل مظلمة وقاسية، غير أن القانون التاريخي الحاكم لم يتغير منذ بدء الخليقة: الظلم والقائمون عليه إلى زوال، وحقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم ولا بالمحوالقصري.

 

أن استعادة حقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة، وعودة اللاجئين لم تعد مجرد شعارات مرحلية أو مطالب فئوية، بل أضحت شرطاً شارحاً ووحيداً لإقرار أي سلام دائم في الشرق الأوسط. إن استمرار السياسات الاستيطانية ونهب الأرض وإغلاق منافذ الأمل ينطوي على مخاطر جارفة قد تؤدي إلى انفجارات أكثر شدة وتعقيداً في المستقبل . 

 


إن الوقوف عند ذكرى مرور ثلاثة أعوام على زلزال السابع من أكتوبر 2023 هو وقوف في لحظة مراجعة تاريخية شاملة لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً كبيراً لا يُقاس بالكلمات، وسُفكت دماء زكية في ملحمة صمود أسطورية تحت آلة دمار غير متكافئة.

 


ومع ذلك، فإن القراءة الشاملة لمسار الحوادث تؤكد أن المنطقة بعد أكتوبر 2023 ليست كما كانت قبله لقد أثبتت هذه السنوات الثلاث أن القضية الفلسطينية عصية على الموت أو النسيان، وأن المقاومة ستستمر بشتى الصور والوسائل حتى نيل الحقوق المشروعة كاملة لقد سقطت أوهام الحلول الجزئية، وظهرت حقيقة راسخة مفادها أن الظلم مهما امتلك من القوة العسكرية الغاشمة، سيبقى هشاً أمام إرادة وطن يصر على الحياة والحرية، وأن التاريخ لن يغلق صفحاته إلا بإعادة الحق إلى أصحابه.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

ثلاث سنوات على زلزال أكتوبر.. سقوط أوهام السيطرة وحتمية الحق الفلسطيني

بقلم ياسر بركات