سقوط الرهانات الكبرى.. قراءة في الأوراق السرية لمفاوضات السلام المصرية–الإسرائيلية
في الثاني عشر من أكتوبر عام 1978، لم تكن واشنطن مجرد عاصمة تحتضن مؤتمراً دبلوماسياً في بلير هاوس المتاخم للبيت
الأبيض بل كانت مسرحاً لعملية إعادة تشكيل شاملة للخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط. كان ذلك اليوم هو المبتدأ الرسمي للترجمة القانونية والسياسية لما تم التوصل إليه في منتجع كامب ديفيد في سبتمبر من العام نفسه.
لكن المشهد كما بدا على الشاشات – مصافحة بين الرئيس أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن ورعاة أمريكيين يبتسمون – لم يكن سوى القشرة الخارجية لدراما قاسية جرت تفاصيلها في الكواليس. إن القراءة الفاحصة للوثائق والأوراق السرية التي كُشف عنها النقاب في السنوات الأخيرة تقدم لنا صورة مغايرة كلياً لما انطبع في الأذهان، وتدعونا إلى إعادة طرح السؤال الإستراتيجي الكبير: هل كان السلام ضرورة لا مفر منها لمصر؟ وما هي الأسرار التي بقيت طى الكتمان لعقود؟
عندما بدأت مفاوضات بليرهاوس في 12 أكتوبر 1978، كان الوفد المصري برئاسة الدكتور مصطفى خليل يظن أنه قادم لوضع صياغات تنفيذية لإطار عام عريض تضمن شقين: السلام بين مصر وإسرائيل، ومصير الضفة الغربية وغزة. لكن السجلات الأمريكية تُظهر أن المفاوض الإسرائيلي، بقيادة أهارون باراك وموشيه ديان، جاء بمعركة قانونية محكمة تستهدف تفكيك الارتباط بين الملفين تماماً.
تظهر وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وجد نفسه محاصراً بين اندفاع السادات نحو إنجاز سريع يمنحه مكسباً إستراتيجياً برفع الاحتلال عن سيناء، وبين صلابة بيجن القانونية الذي كان يتعامل مع كل بند وكأنه عقد شراء في المحاكم. كان البند الأكثر خطورة في وثائق الخارجية الأمريكية هو المادة السادسة، والتي كانت تنص على أسبقية معاهدة السلام مع إسرائيل على أي التزامات أو معاهدات أخرى لمصر مع الدول العربية.
فالجانب المصري شعر أن هذه المادة تُجرده من عمقه العربي وتلغي معاهدة الدفاع العربي المشترك. لكن التدخل المباشر من جيمي كارتر والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية جعلت المفاوض المصري يقبل بصيغ توفيقية مجوفة، منحت إسرائيل النتيجة التي أرادتها: إخراج مصر كلياً من معادلة الصراع العسكري العربي–الإسرائيلي.
لم تكن مفاوضات السلام مجرد مساومة على أراضٍ وتبادل سفراء، بل كانت عملية هندسة نفسية وسيكولوجية أدارتها أجهزة الاستخبارات ، فالتقييمات السيكولوجية والتى أزيح عنها الستار
حديثاً توضح كيف استطاعت واشنطن إدارة الطرفين:
حيث وُصف السادات بأنه يميل إلى الرؤى الإستراتيجية العريضة ويضيق صدرة من التفاصيل والجزئيات. استغلت واشنطن وتل أبيب هذه الثغرة؛ فترك السادات التفاصيل للمفاوضين وقبل بالخطوط العريضة، وهو ما مكّن الإسرائيليين من حشو التفاصيل بشروط وقواعد قيدت حرية الحركة المصرية لاحقاً، خاصة في المناطق (أ، ب، ج) في سيناء.
ووُصف بيجن بأنه رجل تاجر تفاصيل ومحامٍ عقائدي لا يفرط في أى شىء مهما كان صغير . كان بيجن يعلم أن سيناء يمكن التنازل عنها مقابل حجز الضفة الغربية والقدس بشكل دائم للحلم الصهيوني، وهو ما تحقق له بالفعل من خلال فصل المسارين.
وتكشف الوثائق العسكرية الامريكية أن واشنطن اشترطت أن تكون المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر بقيمة 1.3 مليار دولار سنوياً مقترنة ليس فقط بالحفاظ على المعاهدة، بل بتحول الفكر العسكري المصري من عقيدة القتال الهجومي والتعبئة الشاملة إلى عقيدة الدفاع ومكافحة الإرهاب والمهام المحدودة، وهو ما أثر هيكلياً على بناء القوات المسلحة المصرية لسنوات طويلة.
هل كان السلام ضرورياً لمصر؟
هذا هو السؤال الأهم والذي يفرض نفسه بعد كل هذه السنين: هل كان مقدراً لمصر أن تسلك هذا الطريق؟ أم كانت هناك خيارات أخرى سقطت في زحام الحوادث؟
إذا نظرنا للواقع الحسابي المجرد في منتصف السبعينيات،
خرجت مصر من حرب أكتوبر 1973 وهي تعاني من استنزاف كامل للبنية التحتية، واقتصاد على وشك الإفلاس، واعتتماد كلي على السوفيت الذين قطعوا السلاح بعد خروج الخبراء عام 1972. كان الخيار العسكري للاستمرار في حرب استنزاف جديدة يعني الانهيار المالي الشامل.
بالمنطق المادي ، حققت المعاهدة لمصر استعادة كامل ترابها الوطني في سيناء دون إراقة قطرة دم واحدة بعد عام 1973، وهو ما عجزت عنه دول عربية أخرى ظلت متمسكة بشعارات الرفض دون امتلاك أوراق الضغط الفعالة.
لكن، في المقابل، فإن التكلفة الفادحة لهذا الخيار تمثلت في:
العزلة العربية وخسارة القيادة ، خرجت مصر من مقعد القيادة في العالم العربي لنحو عشر سنوات، وانتقلت الجامعة العربية إلى تونس، مما أحدث فراغاً إستراتيجياً هائلاً بالمنطقة ملأته لاحقاً قوى إقليمية أخرى.
وفرضت المعاهدة ملاحق أمنية قيّدت الوجود العسكري المصري في الممر الحاسم للبلاد، ولم يسترد الجيش المصري حرية الحركة الشاملة في أعماق سيناء إلا في السنوات الأخيرة تحت قيود ضرورة مواجهة الإرهاب وبشروط خاصة.
لم يتحول السلام بين الشعبين إلى سلام دافئ؛ بل ظل سلاماً بين حكومات ومؤسسات أمنية، بينما بقيت القواعد الشعبية والنقابات والمثقفون في مصر يرفضون التطويع والتطبيع، مما جعل المعاهدة هدنة إستراتيجية طويلة الأمد أكثر منها سلاماً بمفهومه الحضاري.
إن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كانت أعظم نصر إستراتيجي لإسرائيل في القرن العشرين.
لماذا؟ لأنها نجحت في شل القوة العسكرية العربية الضاربة (مصر)، مما سمح لإسرائيل لاحقاً باجتياح لبنان عام 1982، والتوسع في استيطان الضفة الغربية، والتعامل مع باقي أطراف الصراع بطريقة الاستفراد.
ومع ذلك، كان السادات يراهن على أن الدخول في الحسابات الأمريكية سيجبر واشنطن على الضغط على إسرائيل لإعطاء للفلسطينيين حقوقهم. لكن الرهان المصري على الخيار الأمريكي مطلقاً أثبت قصوره؛ إذ تحولت واشنطن من وسيط نزيه إلى حارس لسلامة المعاهدة وللأمن الإسرائيلي.
لقد كان السلام ضرورياً بمقاييس الإمكانات المادية المباشرة لمصر في ذلك الوقت، ولكنه كان سلاماً مجحفاً بمقاييس التوازن الإستراتيجي والعمق القومي العربي. وبين الضرورة والإجحاف، تظل تجربة مفاوضات السلام الدرس الأكبر في تاريخ السياسة المصرية الحديثة: أن الأوطان لا تُحمى بالنيات الحسنة، وأن المعاهدات لا تمنح السلام إلا بقدر ما يملك أصحابها من قوة تحميه وتفرضه.