اليوم الذي حبس فيه العالم أنفاسه.. أسرار صدمة الطاقة من الرياض والقاهرة إلى البيت الأبيض

الموجز

في ذلك اليوم الصباحي المفعم بغبار المعارك على جبهتي سيناء والجولان، اجتمع وزراء النفط العرب في العاصمة الكويتية بدعوة من منظمة الدول العربية المصدرة للنفط (أوابك). لم يكن الاجتماع خطابياً، ؛ بل كان قراراً باستخدام ما عُرف بـ سلاح النفط. أُعلن الخفض الفوري للإنتاج بواقع 5% شهرياً، يُزاد تدريجياً، وحظر توريد الخام بالكامل إلى الدول التي تُبدي انحيازاً سافراً لإسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ما الذي حدث حقاً خلف الكواليس؟ كيف قُرئ هذا القرار في غرف العمليات المغلقة؟ ومن كان يحرك الخيوط، ومن احتمل الصدمة، ومن استثمرها في لعبة السياسة الدولية؟

عندما نبحث في جذور هذا القرار، يخطئ من يظن أنه كان وليد لحظة انفعال عاطفي رداً على الجسر الجوي الأمريكي لنقل السلاح إلى تل أبيب. الفكرة كانت تتخمر في العقول منذ أشهر قبل اندلاع حرب أكتوبر.
كان هناك حوار صامت وشديد الحساسية يجري بين القاهرة، والرياض، ودمشق. الرئيس أنور السادات، كان يعلم أن العبور العسكري لقناة السويس واقتحام خط بارليف يحتاج إلى ساندٍ اقتصادي وسياسي يُشعر الغرب بأن التكلفة المباشرة لدعم الاحتلال أصبحت أكبر من أن تُحتمل. وفي الرياض، كان الملك فيصل بن عبدالعزيزبرؤيته المتزنة وشخصيته الحازمة يعرف بدقة متى وكيف يزن الأمور بميزان الذهب السياسي.
الملك فيصل حذّر مبعوث الرئيس الأمريكي قبل الحرب بأشهربقولة : إنكم تدفعوننا إلى زاوية حرجة، ولا تتركوا لنا خياراً سوى الاعتماد على سلاح الطاقة إذا استمر الانحياز العمياني. لكن واشنطن، المأخوذة بأوهام التفوق الاستخباري والغطرسة التكنولوجية، لم تأخذ التحذير على محمل الجد. كان هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك، يظن أن العرب أضعف من أن يتفقوا، وأن النفط سلعة تجارية لا يمكن تحويلها إلى مدافع سياسية.

 

إن قرار 17 أكتوبر لم يصب الغرب في اقتصادياته فحسب، بل أصابه في صميم كبريائه الجيوسياسي. إنها المرة الأولى منذ العصور الوسطى التي تجلس فيها دول الشرق الأوسط لفرض شروطها على الدول الصناعية الكبرى.
إن ريتشارد نكسون الرئيس الامريكى ، والغارق في أتون أزمة وواترجيت، استدعى كيسنجر في جلسة طارئة يوم 18 أكتوبر. كانت التقارير تُشير إلى أن احتياطي النفط الأمريكي والأوروبي سيهبط إلى مستويات حرجة خلال أسابيع، وأن طوابير السيارات أمام محطات الوقود في الشوارع الأمريكية ستتحول إلى أزمة اجتماعية وسياسية تعصف بالإدارة.
تُظهر وثائق وزارة الدفاع الأمريكية ، أن الخبراء العسكريين وضعوا على طاولة كيسنجر سيناريوهات مجنونة من بينها خيارات استخدام القوة العسكرية للسيطرة على حقول النفط في الخليج. غير أن التقديرات قالت أن ذلك سوف يؤدي إلى تفجير الآبار،
وإلى تدخل مباشر من الاتحاد السوفيتي، مما ينقل العالم إلى شفير حرب عالمية ثالثة.

 


في إحدى المحادثات المفرغة بين كيسنجر وسفير دولة أوروبية بارزة في نوفمبر 1973، يقول كيسنجر بمرارة: إن الملك فيصل والسادات يلعبان لعبة الشطرنج ببراعة هائلة. لقد استخدموا النفط ليس لتدميرنا، بل لإجبارنا على التدخل المباشر للضغط على إسرائيل.
كانت هذه هي النقطة الحاكمة. لم يكن الهدف من الحظر النفطي تدمير الاقتصاد الغربي كغاية في حد ذاته، بل كان ضرورة إحداث صدمة فى  القرار الأمريكي والأوروبي. وفعلاً، نجح القرار في إحداث شرخ عميق في الموقف الغربي؛ إذ سارعت دول الاتحاد الأوروبي باستثناء هولندا إلى إصدار بيان يبتعد عن الموقف الأمريكي ويطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، حماية لمصالحها الحيوية وإمداداتها النفطية.
إن القراءة لما أحدثه يوم 17 أكتوبر تؤكد أنه لم يكن مجرد أزمة طاقة عابرة انتهت برفع الحظر في مارس 1974؛ بل كان بداية عصر جديد يسمى في أروقة الفكر الاقتصادي بـ عصر الفائض المالي العربي.

تضاعفت أسعار النفط أربعة أضعاف خلال أشهر قليلة، من نحو 3 دولارات للبرميل إلى أكثر من 11 دولاراً. هذا التدفق الضخم للأموال أعاد هيكلة النظام المالي العالمي، وأصبح للرياض والكويت وأبوظبي القول الفصل في أسواق المال العالمية.
وأدركت واشنطن أن ترك الصراع العربي-الإسرائيلي في حالة لا سلم ولا حرب هو تهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي واقتصاد العالم الغربي. ومن هنا ولد ما يُعرف بـ دبلوماسية المكوك 
التي قادها كيسنجر، والتي أدت لاحقاً إلى اتفاقيات فصل القوات على الجبهتين المصرية والسورية.
حين ننظر اليوم، من منظور التاريخ البعيد، إلى ما جرى في 17 أكتوبر 1973، ندرك أن التاريخ لا يصنعه المصادفات، بل تصنعه إرادات الشعوب وحكمة القيادات التي تجيد قراءة لحظات التحول العالمي.
لقد أثبت القرار العربي في ذلك اليوم أن القوة ليست مجرد أسراب من الطائرات ولا ترسانات من الصواريخ؛ القوة هي القدرة على امتلاك أوراق الضغط الشاملة واستخدامها في الوقت المناسب، وبالقدر المناسب، وللهدف المناسب.
في 17 أكتوبر 1973، وقف العالم على أطراف أصابعه ليسمع صوت الشرق وهو يعيد كتابة قواعد اللعبة السياسية الدولية من جديد. وكان ذلك العصر بحق عصراً كُتب بدماء الشهداء على القناة، وحبر القرارات الجريئة في اجتماعات الكويت.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

اليوم الذي حبس فيه العالم أنفاسه.. أسرار صدمة الطاقة من الرياض والقاهرة إلى البيت الأبيض

بقلم ياسر بركات