واشنطن العاجزة ونتنياهو الطليق.. لماذا يُصبح نداء الأزهر ضرورة وجودية للأمة؟
علا صوت الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، مجدداً بصرخة نذير تُطالب الأمة العربية والإسلامية بتجاوز خلافاتها البينية، والتشكيل العاجل للجنة وساطة لحقن الدماء المعصومة، ووقف نزيف الحروب والصراعات التي تُستنزَف فيها مقدرات الأمة وشبابها. لم تكن تلك الدعوة مجرد مواعظ أخلاقية أو استدعاءات من أدبيات التراث الديني، بل كانت قراءة دقيقة وعميقة لخريطة دم وتفتيت يجري رسمها ببرود شديد في غرف العمليات الدولية المظلمة.
لكن السؤال ليس: ماذا قال شيخ الأزهر؟، بل: هل تملك العواصم العربية والإسلامية الإرادة السياسية للاستجابة؟ وهل يستطيع الإمام الأكبر مواصلة الصراخ في وادٍ تعبث فيه الرياح الإقليمية والدولية؟ وهل تصمد هذه المبادرة أمام ضغوط اليمين الإسرائيلي المستميت للعودة للحروب، وسط أداء أمريكي مضطرب تحت إدارة دونالد ترامب وتراجع قدرتها على كبح جموح مجرم الحرب بنيامين نتنياهو؟.
تأتي دعوة شيخ الأزهر في لحظة جيوسياسية فارقة تعيش فيها العواصم العربية والإسلامية حالة من الاستقطاب غير المسبوق. وعليه فإن الاستجابة الرسمية للأنظمة الحاكمة تظل رهينة معادلة حادة: صراع الحسابات الضيقة للأنظمة في مواجهة الضرورات الوجودية لبقاء الدول.
القوى الإقليمية الكبرى (مصر، السعودية، تركيا): تنظر هذه العواصم إلى نداء الأزهر بصفته مظلة أخلاقية ودينية ذات وزن استراتيجي يمكن الاستناد إليها لشرعنة خطوات التهدئة وتخفيف حدة الاستقطاب الطائفي والإقليمي. إلا أن العوائق السياسية لا تزال قائمة؛ فالسياسة الخارجية لهذه الدول تُدار بلغة المصالح والتوازنات الصلبة وليس بلغة الخطاب الديني وحدَه.
وتجد الدول الغارقة في الصراعات البينية صعوبة بالغة في الترجمة الفورية لنداء الأزهر إلى سياسات عملية؛ ذلك لأن شبكات المصالح الضيقة، وارتهان بعض القوى الإقليمية والمحلية بقرار قوى خارجية، يجعل قرار وقف الحروب والتناحر الداخلي قراراً يتجاوز بقعة الجغرافيا العربية والإسلامية.
من المؤكد أن الاستجابة لن تكون فورية أو كاملة، بل ستأخذ شكل هدن هشّة وتفاهمات متقطعة، ما لم تتشكل آلية سياسية صلبة تترجم لجنة الوساطة التي دعا إليها الأزهر إلى كيان مفاوض يملك أدوات الضغط والتنفيذ.
الحديث عن قدرة الشيخ أحمد الطيب على مواصلة الدعوة هو حديث عن طبيعة مؤسسة الأزهر نفسها؛ فالأزهر عبر ألف عام لم يكن مجرد مدرسة علمية، بل كان دوماً رأس النظير الشعبي والأخلاقي في مواجهة انكسارات السلطة السياسية.
إن شيخ الأزهر يمتلك عناصر قوة تجعله قابلاً للاستمرار والإصرار، حيث يستند الإمام الأكبر إلى مكانة دينية ورمزية
تتجاوز الحدود الوطنية لمصر لتصل إلى عمق العالم الإسلامي، مما يمنحه حصانة معنوية ضد الضغوط السياسية المباشرة.
وتجد دعوات الإمام صدىً واسعاً لدى الشارع العربي والإسلامي المتعب من الحروب، وهو ما يجعل القادة والأنظمة حذرين في مواجهته أو السعي لإسكات صوته.
غير أن استمرار الأزهر لا يخلو من تحديات عاتية؛ أبرزها محاولات محاصرة خطابه إعلامياً، وتصوير تحركاته الاستراتيجية وكأنها مجرد شعارات لا تملك أدوات تنفيذيّة، فضلاً عن حملات التشكيك والتراشق المذهبي التي تُغذّيها جهات تحرص على استمرار الاشتعال في المنطقة.
لم تقع دعوة الأزهر في أرض بوار، بل تحركت مياه راكدة في أوساط متعددة سارعت مجالس الحكماء ومؤسسات الإفتاء
في عدة دول عربية وإسلامية لتأييد المبادرة، معتبرة أن الأزهر يقدم المخرج الوحيد لصيانة مقدرات الأمة بدلاً من تبديدها في معارك جانبية يستفيد منها العدو المتربص.
وهناك حالة من التفاف القوى المدنية والمفكرين العرب حول الدعوة، باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة التوازن للبيت الداخلي.
إن استمرار صراع الشرق الأوسط وتفككه الداخلي يهدد بأزمات لجوء وإرهاب عابرة للحدود. ومن هنا، يأتى نداء الأزهر بصفته عنصر كبح وتوازن رمزي يخدم الاستقرار الإقليمي ويمنع الانفجار الكبير، إلا أنه غير كافٍ بمفرده دون دعم دولي وتوافق سياسي.
وللأسف تأتي دعوة الأزهر لتصطدم بمتغيرات دولية ضاغطة ومعقدة ،حيث يسعى بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة
إلى إدامة حالة الحرب وإعادة فتح جبهات الصراع في غزة ولبنان والإقليم، بهدف إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وفرض سياسة الأمر الواقع.
بالإضافة لحالة الارتباك في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فرغم الخطابات النارية للرئيس دونالد ترامب، إلا أنه يظهر ضعفاً واضحاً في كبح شطط نتنياهو أو إرغامه على وقف إطلاق النار.
إن الورقة الرابحة لنتنياهو هي استمرار الانقسام العربي والإسلامي. ومن هنا تكمن الخطورة الكبرى لدعوة شيخ الأزهر؛ لأنها تضرب الجوهر الذي تتغذى عليه استراتيجية اليمين الإسرائيلي وهي استراتيجية فرق تسد وإبقاء الأمة غارقة في نزيفها الداخلي.
إن دعوة شيخ الأزهر الشريف لحقن الدماء وتشكيل لجنة وساطة إسلامية ليست مجرد مبادرة عابرة في جدول أعمال الدبلوماسية، بل هي تذكير أخلاقي وسياسي أخير بحقيقة العصر: إن أمة لا تملك القدرة على إيقاف حروبها البينية بنفسها، لن تملك الغد للوقوف في وجه أطماع أعدائها.
قد تتلكأ الأنظمة، وقد تحاول واشنطن تحت إدارة ترامب التملص من التزاماتها وتغطية الانتهاكات الإسرائيلية، وقد يستمر نتنياهو في جر المنطقة نحو الهاوية.. لكن صوت الأزهر الشريف يظل يمثل البوصلة وما لم تستجب العواصم العربية والإسلامية لهذه الصرخة وتتحول المبادرة إلى فعل سياسي ومؤسسي ناطق، فإن البديل المستقبلي لن يكون سوى سقوط الجميع قطعة بعد أخرى في الفراغ الجيوسياسي القادم.
- الأزهر
- مصر
- لبنان
- شيخ الأزهر
- تركيا
- واشنطن
- بنيامين نتنياهو
- السعودية
- الأزهر الشريف
- أحمد الطيب
- الإمام الأكبر
- دونالد ترامب
- شيخ الأزهر الشريف
- السياسة الخارجية
- الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف
- أحمد الطيب شيخ الأزهر
- الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر
- غرف العمليات
- ياسر بركات يكتب
- ياسر بركات
- الموجز
- موقع الموجز