عواصف شمال المتوسط.. حين تمتد ظلال الأزمة الأوروبية إلى قلب الشرق
إن ما يشهده الغرب اليوم، هو زلزال بنيوي عميق... زلزال يعيد التساؤل الجوهري حول قدرة الدولة الوطنية الغربية ونسقها الرأسمالي التقليدي على الوفاء بأبسط مقومات العقد الاجتماعي مع مواطنيها.
لكن السؤال الأصعب والأكثر خطورة الذي يطرح نفسه على طاولة القرار في الشرق الأوسط هو: كيف ينعكس هذا الحراك المتصاعد في الضفة الشمالية للمتوسط على الضفة الجنوبية؟ وهل نحن حقًا أمام ظاهرة تتجاوز الحدود لتشكل ما يمكن تسميته بـ الربيع الغربي، والذي بدوره قد يطلق شرارة ربيع عربي جديد تتشكل ملامحه على وقع التطورات الاقتصادية والسياسية العالمية؟
إن الأوروبيين يعيشون أزمة مركبة غير مسبوقة. إنها أزمة تنبع من تلاقي عوامل الهيكل الاقتصادي المجهد بتبعات التضخم المتلاحق، وأزمات الطاقة وارتفاع تكاليف السكن، مع شعور عميق لدى الطبقات الوسطى والهامشية بـ الخذلان السياسي من قِبل النخب الحاكمة.
هذا الحراك يمثل نمطًا جديدًا من الربيع الغربي. لكنه يختلف جذريًا عن الربيع العربي في أدواته وسياقاته؛ فالشارع الأوروبي لا يخرج للمطالبة بأسقاط النظم السياسية أو الدستورية كأصل ثابت، بل يمارس ضغطًا كاسحًا لتفكيك السياسات النيوليبرالية المستقرة منذ عقود، ولإرغام الطبقة السياسية على إعادة النظر في أولويات الصرف الحكومي والدعم الاجتماعي. ومع ذلك، تشير تقييمات المخاطر السياسية إلى أن استمرار هذا الشلل فى الشارع وانسداد أفق الحلول العاجلة يفتح الباب على مصراعيه لسيولة سياسية غير مسبوقة، تغذي التيارات الشعبوية وأقصى اليمين، وتضع استقرار المنظومة الغربية بأكملها على المحك.
إن أي ارتباك في البوصلة الغربية لا بد أن تحس به منطقة الشرق الأوسط فورًا، نظرًا للتداخل التاريخي والسياسي المباشر بين الإقليمين.
فعندما تحاصر الحكومة الفرنسية أو البريطانية إضرابات شاملة وتظاهرات لا تتوقف، يتحول الاهتمام المباشر لصانع القرار في تلك العواصم من إدارة الملفات الشائكة في الشرق الأوسط إلى إدارة الأزمات الداخلية. هذا الانكفاء الاضطراري يخلق حتمًا فراغًا جيوسياسيًا يقلل من نجاعة الأدوار الوسيطة للغرب، مما يفسح المجال أمام قوى دولية وأقليمية صاعدة (كالصين وروسيا والقوى الإقليمية الرئيسية) لملء هذا الفراغ وفرض معادلات جديدة.
وقد تستغل أحزاب اليمين المتطرف الشارع الأوروبي المشتعل لتصوير الأزمة الاقتصادية على أنها نتيجة للمساعدات الخارجية والإنفاق على ملفات اللجوء والهجرة. وتأثير هذه الأحزاب على القرار السياسي الغربي يعني مباشرة التوجه نحو سياسات أكثر صرامة وتقييدًا تجاه القضايا الشرق أوسطية، وفي مقدمتها ملف الهجرة، ودعم التعاون الأمني المشروط.
لا تملك منطقة الشرق الأوسط رفاهية العزل الاقتصادي عن أوروبا؛ فالارتباط العضوي بين الاقتصادين يجعل أثر الحراك الغربي ملموسًا في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العربي.
وتحت وطأة ضغط الشارع المطالب بتحسين الأجور ودعم الطاقة والخدمات، تضطر الحكومات الأوروبية إلى إعادة ترتيب ميزانياتها. حيث يؤثر ذلك على المساعدات التنموية والقروض الميسرة الموجهة لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما يضاعف الضغط المالي على الدول المستفيدة.
إن تراجع القوة الشرائية للمواطن الأوروبي يعني تلقائيًا انخفاض مستويات الاستهلاك والإنفاق السياحي. وتعد دول مثل مصر وتونس والمغرب والأردن في صدارة المتأثرين بهذا الانكماش، حيث تشكل السياحة والشركاء الأوروبيون أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة وتوفير فرص العمل.
وسوف يتأثر الملايين من أبناء الشرق الأوسط المقيمين في أوروبا بالغلاء المباشر وتضييق أسواق العمل، مما ينعكس سلبًا على قدراتهم في إرسال التحويلات المالية لأسرهم في الوطن الأب. وتلك التحويلات تمثل، في الأساس، شبكة أمان اجتماعي غير رسمية تعتمد عليها آلاف العائلات في الإقليم.
لكن :هل تفعل التكنولوجيا الحديثة وشبكات التواصل فعلتها مجددًا، لتنقل روح الغضب من الشارع الأوروبي إلى الشارع العربي؟
الحقيقة إن مفهوم العدوى هنا لا يعني استنساخاُ مباشرًا للنماذج الغربية، بل يعود إلى المحتوى البنيوي للأزمة. فإذا كانت شعوب المجموعات المتقدمة في أوروبا، بكل ما تمتلكه من مؤسسات رفاه تاريخية، تئن بالشكوى من ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الطبقة الوسطى، فإن الرسالة السيكولوجية والاجتماعية التي تصل إلى المواطن في الشرق الأوسط تضاعف من شعوره بالقلق الفردي والجمعي.
إن الظروف التي تجعل الحراك الأوروبي مادة ملهمة أو محفزة في الشرق الأوسط لا تتصل بالضرورة بالتحريض السياسي المباشر، بل بالتشارك في المعاناة من الأزمات الاقتصادية الهيكلية العالمية. فالتضخم وارتفاع أسعار السلع الغذائية وجنون الإيجارات هي تحديات عابرة للقارات؛ وحينما يرى المتابع العربي المواطن الأوروبي يخرج للتعبير عن غضبه مطالبًا بحقوقه المعيشية، ينشأ نسيج نفسي من التماهي والمطالبة بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية داخل مجتمعه المحلي.
إننا يقينًا لا نشهد مجرد مظاهرات عابرة تتلاشى بانتهاء مواسم معينة، بل نعيش لحظة مفصلية يعاد فيها تشكيل العلاقات بين الدولة والمجتمع على مستوى العالم. إن الربيع الغربي المتصاعد هو بمثابة جرس إنذار مبكر يعلن انقضاء زمن الحلول المسكنة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فإن الدرس الأهم يتلخص في فهم هذه التحولات العميقة وقراءتها بوعي وثبات؛ فالاعتماد على غطاء تنموي أو سياسي غربي مستقر لم يعد خيارًا مضمونًا في ظل انكفاء أوروبا على مشاكلها الداخلية. وإن استيعاب القضايا المعيشية والاجتماعية للشعوب، وبناء اقتصادات وطنية مرنة وقادرة على الصمود، بات هو العاصم الوحيد لمنع انتقال أمواج الاضطراب القادمة عبر المتوسط. فالرياح التي تهب على العواصم الغربية اليوم، لا بد أن يصل صداها غدًا إلى كل شواطئ الإقليم.