تهديدات طهران للقاهرة.. تحييد مصر أم تطويق الخليج؟

ياسر بركات
ياسر بركات

تأتي التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزير الخارجية الإيراني والتي حملت في ظاهرها لغة النصح وفي باطنها رسائل التهديد المبطن للقاهرة بعدم التدخل لدعم المملكة العربية السعودية بحجة أن هذا التدخل سيعقد الوضع المعقد أصلاً في المنطقة لتكشف عن اتساع الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي المعلن والواقع الاستراتيجي على الأرض. طهران تشهر في هذا التوقيت بالذات ورقة التحذير المباشر، بينما تمارس في خلفية المسرح دوراً معقداً ونائياً عن أي حياد موضوعي في ملف الوساطة المفترضة بين الرياض والجماعة الحوثية في اليمن. هذا النمط من المناورة السلوكية يضع مصر، ومعها المنطقة بأسرها، أمام ما يمكن أن نسميه بلا مواربة: تحدياً وجودياً لمناطق النفوذ والمظلة الحيوية للأمن القومي العربي.

في خلفية هذه التصريحات الحادة ، تقبع كواليس اتصالات هاتفية ودبلوماسية حاسمة جرت بين وزير الخارجية الإيراني ونظيره المصري. ووفقاً لما تسرب من معلومات موثوقة ، فإن المحادثة لم تكن مجرد تبادل للمواقف البروتوكولية المعتادة، بل شهدت مواجهة فكرية واستراتيجية عميقة حول حدود حركة القوى الإقليمية وقواعد اللعبة في الشرق الأوسط.
لقد انطلقت الرؤية الإيرانية خلال هذه المحادثة من محاولة إرساء واقع جديد، مفاده أن طهران هي الفاعل الأساسي الذي يمسك بأوراق اللعبة من صنعاء إلى بيروت، وأن أي محاولة مصرية لتقديم دعم استراتيجي أو عسكري مباشر للمملكة العربية السعودية ستُعد خطوة تسهم في توسيع دائرة الصراع وتجهض فرص التهدئة. كان الهدف الإيراني الضمني هو فرض نوع من التحييد القسري للدور المصري، وفصل القاهرة عن مظلتها العربية التاريخية بالخليج.
غير أن الرد المصري جاء قاطعاً، وحاسماً، ومستنداً إلى منطق الجغرافيا التاريخية التي لا تتغير؛ إذ أوضح الوزير المصري بنبرة حازمة أن أمن الخليج العربي ليس ملفاً تفاوضياً أو خياراً تكتيكياً، بل هو امتداد عضوي ومباشر للأمن القومي المصري. وأكدت القاهرة أنه لا يمكن قبول أي اعتداءات تمس الأراضي السعودية أو تهدد سلامتها الإقليمية، مشددة على أن وقف الهجمات الحوثية ليس شرطاً لسلامة الخليج فحسب، بل هو ضرورة حتمية لحماية أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وقناة السويس.

هذا التباين الصريح في المكالمة كشف بما لا يدعو للمجال للشك أن طهران تحاول بناء معادلة أمنية تقوم على انفرادها بالسيطرة على المضائق والممرات الحيوية، في حين ترفض مصر الانصياع لمنطق فرض الأمر الواقع، وتصر على أن سلامة شبه الجزيرة العربية هي جزء لا يتجزأ من المعادلة الأمنية المصرية.
إن الدور الإيراني في الملف اليمني لا يمثل وساطة بالمعنى الدبلوماسي المتعارف عليه، بل يمثل نوعاً من إدارة الصراع بأسلوب الوكالة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه طهران عن التهدئة وتقديم المبادرات، استمرت في تقديم إمدادات اللوجستيات العسكرية والتقنيات المتطورة للطائرات المسيرة والصواريخ القادمة للحوثيين. وعليه، فإن الوساطة هنا تتخذ كغطاء سياسي لكسب الوقت، وتثبيت نفوذ الحوثيين كواقع سياسي وعسكري دائم على حدود السعودية الجنوبية.
فالاستراتيجية الإيرانية قائمة على نظرية التطويق الجيوسياسي. وتهدف طهران من خلال تهديداتها للقاهرة إلى منع تشكل كتلة عربية صلبة تجمع القدرات العسكرية المصرية بالقوة الاقتصادية والسياسية السعودية. وتدرك تماماً أن نجاح التنسيق المصري-السعودي يمثل العقبة الوحيدة القادرة على كسر شوكة هذا المشروع الإقليمي.

 

لقد أحدثت التصريحات الإيرانية الأخيرة ارتدادات واسعة في العواصم الإقليمية الفاعلة، والتي تنظر إلى التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط باعتباره يمس مصالحها الحيوية المباشرة.
تراقب أنقرة التحركات الإيرانية بقدر عالٍ من الحذر الجيوسياسي. ورغم وجود قنوات تواصل واضحة بين أنقرة وطهران، إلا أن التقديرات التركية ترفض تماماً أي هيمنة إيرانية مطلقة على باب المندب والبحر الأحمر. وتدرك أنقرة أن اضطراب الملاحة في هذه المنطقة يضر بحركة التجارة العالمية والمصالح الاقتصادية التركية المتنامية في إفريقيا ودول الخليج. ومن هنا، تميل أنقرة إلى دعم استقرار الخليج وعدم السماح لـ الوكلاء الإقليميين بتهديد حركة السفن والممرات.
وجاء التقييم الصادر من إسلام آباد واضحاً وقاطعاً؛ فالمؤسسة العسكرية والسياسية في باكستان ترتبط بعلاقات أمنية وتاريخية وثيقة مع المملكة العربية السعودية. وأكدت الاتصالات الباكستانية رفيعة المستوى أن أمن المملكة والحيّز الجغرافي للحرمين الشريفين يمثل خطاً أحمراً لا يقبل المساومة. وترى إسلام آباد أن أي استهداف للعمق السعودي هو استهداف للاستقرار في جنوب آسيا والشرق الأوسط على حد سواء.
إن القارئ لتاريخ السياسة الخارجية المصرية يدرك أن القاهرة لا تتخذ قراراتها الاستراتيجية تحت ضغط الانفعال السياسي أو الاستفزاز الإعلامي. لكن التحدي الراهن يتجاوز حدود المناوشات الدبلوماسية ليلامس جوهر الأمن القومي.
تدرك القيادة المصرية أن أي تهديد يطال المملكة العربية السعودية، أو أي محاولة لخلق واقع مائل في جنوب الجزيرة العربية، سينعكس فوراً على حماية البحر الأحمر، وهو ما يهدد تدفقات الملاحة في قناة السويس التي تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد المصري. ومن هنا، ترتكز الاستراتيجية المصرية على محورين أساسيين:
المحور الأول الدبلوماسية الحازمة: التأكيد المستمر في المحافل الدولية وفي الاتصالات المباشرة مع طهران على رفض لغة التهديد، وإبلاغ كافة الأطراف بأن مصر لم ولن تتخلى عن التزاماتها التاريخية تجاه أمن الخليج.
المحور الثاني الردع الاستراتيجي: الاستمرار في تطوير القدرات البحرية والعسكرية في نطاق البحر الأحمر والأسطول الجنوبي، لضمان الجاهزية التامة للتعامل مع أي سيناريوهات قد تستهدف فرض أمر واقع جديد بالقرب من المضائق البحرية الحيوية.
إن القراءة الفاحصة لمجمل هذه المعطيات تؤكد أن المنطقة تقف عند مفترق طرق تاريخي. وأن محاولة إيران تحييد مصر عن معادلة الأمن الخليجي تحت شعارات منع تعقيد الصراع ليست إلا تكتيكاً استراتيجياً يسعى لفك الارتباط بين القوتين الأكبر في العالم العربي مصر والسعودية.
إذا استمرت طهران في الجمع بين دور الراعي السياسي للميليشيات ودور المفاوض الدبلوماسي، فإن المنطقة قد تتجه نحو تصعيد مفتوح يهدد أسواق الطاقة العالمية وخطوط التجارة الدولية. وفي المقابل، فإن الصلابة المصرية والتماسك مع الأشقاء في الخليج يظلان الحصن الأخير المتبقي لمنع انهيار التوازن الإقليمي، وللحفاظ على الدولة الوطنية العربية في مواجهة مشروعات التمدد والنفوذ.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

عواصف شمال المتوسط.. حين تمتد ظلال الأزمة الأوروبية إلى قلب الشرق

بقلم ياسر بركات