من قصور الفاطميين إلى قلوب المصريين.. موائد الرحمن ملحمة عطاء لا تنتهي
لم تكن موائد الرحمن يومًا مجرد مظهر رمضاني موسمي، بل تحولت عبر القرون إلى أحد أبرز تجليات التكافل الاجتماعي في مصر، ورمز حيّ للتراحم الذي يميّز الشهر الكريم.
فمن جذورها الأولى في التاريخ الإسلامي، حين ارتبط إفطار الصائمين بقيم البذل والرحمة، تطورت الفكرة حتى اتخذت في مصر طابعًا مؤسسيًا خلال العصر الفاطمي.
- البدايات الفاطمية.. «دار الفطرة» نموذجًا
في عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله الفاطمي، أُنشئت «دار الفطرة» كمبادرة منظمة لإعداد الطعام يوميًا داخل القصور، حيث كانت تُطهى مئات القدور لتوزع على الفقراء والمحتاجين. ولم تكن تلك الموائد مجرد عمل خيري، بل حملت بُعدًا رسميًا واجتماعيًا، إذ كان كبار رجال الدولة يشاركون في مشهد يجمع بين المسؤولية والرحمة.
ومع مرور الوقت، خرجت الموائد من أسوار القصور إلى الأزقة والحارات، لتصبح جزءًا أصيلًا من المشهد الرمضاني في مصر، وعلامة على وحدة المجتمع وتماسكه.
- امتداد العطاء إلى ما بعد رمضان
لم يقتصر الكرم على أيام الصيام فحسب، بل امتد إلى عيد الفطر، حيث جرت العادة على توزيع الكعك والتمر والمكسرات على الأسر الأولى بالرعاية، في صورة تعكس حرص المجتمع على مشاركة الجميع فرحة العيد.
- رسالة وحدة في القرن العشرين
شهد القرن العشرون عودة قوية لانتشار موائد الرحمن برعاية مؤسسات أهلية ومجتمعية. ومن أبرز المحطات الرمزية، إقامة أول مائدة إفطار قبطية عام 1969 في حي شبرا بالقاهرة، في مشهد جسّد روح المحبة والوحدة الوطنية، حيث اجتمع المسلمون والمسيحيون حول مائدة واحدة، تأكيدًا على أن قيم التكافل تتجاوز كل الفوارق.
- موائد تجمع القلوب قبل الأيادي
اليوم، تنتشر موائد الرحمن في مختلف محافظات مصر، من ميادين القاهرة الكبرى إلى القرى والأحياء الشعبية، لتظل شاهدًا على ثقافة العطاء المتجذّرة في المجتمع المصري. فهي ليست مجرد طعام يُقدّم للصائمين، بل رسالة إنسانية متجددة تؤكد أن رمضان شهر يجمع القلوب قبل أن يجمع الأيادي حول مائدة واحدة.




