الشروط الإيرانية تبتلع "عقيدة الردع" الإسرائيلية!

ياسر بركات
ياسر بركات

في المشهد الراهن، لم تعد الانفجارات هي وحدها التي تصم الآذان، بل إن الصمت المطبق الذي يسبق الرد بات سلاحاً نفسياً يتجاوز أثره حدود القوة الصلبة. فإسرائيل اليوم تعيش حالة من الانحباس الاستراتيجي، حيث تآكلت جدران "عقيدة الردع" التي بنيت على مدار عقود، لتفسح المجال أمام واقع جديد ترسم ملامحه الصواريخ التي تعبر الأجواء دون استئذان.

 

إن الرعب الذي يسكن الداخل الإسرائيلي ليس مجرد نتاج لقصف عابر، بل هو نتاج وعي جمعي بأن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن اليد العليا لم تعد حكراً على طرف واحد، خاصة مع انتقال المواجهة من الوكلاء إلى الأصالة، ومن الحواف إلى المركز.


اللحظة الراهنة فارقة؛ بعد أن تجرأت إسرائيل على استهداف "البنك المركزى" أو منشآت مالية حيوية في قلب طهران، وهو ما اعتبرته الدولة الإيرانية تجاوزاً لكافة الخطوط الحمراء التي كانت تحكم الاشتباك الصامت. لذا لم يتأخر الرد السياسي الإيراني كثيراً، حيث جاء التصريح الرسمي ليعلن بوضوح أن هذا الهجوم يمنح طهران "الحق السيادي والقانوني" في استهداف أهداف استراتيجية موازية أو أكثر حيوية في العمق الإسرائيلي؛ وكأن هذا لم يحدث بعد. هذا التحول من "الصبر الاستراتيجي" إلى "الفعل الاستراتيجي" وضع تل أبيب في مأزق لم تعهده منذ تأسيسها؛ إذ باتت المنشآت الحيوية، من محطات طاقة وموانئ ومراكز تحكم، أهدافاً مشروعة في بنك أهداف ينتظر ساعة الصفر.


بالتزامن مع هذه التهديدات، يغلي الداخل الإسرائيلي تحت وطأة الخسائر المادية والمعنوية التي لم يعد بالإمكان مواراتها. لم تعد المطارات، التي كانت بوابة التواصل مع العالم، محصنة ضد الرشقات الصاروخية التي تسببت في شلل جزئي وخلل في البنية الأساسية للملاحة الجوية.

 وفي مشهد يعكس حجم التراجع، لم يعد المستوطنون يقضون أيامهم في العمل أو التنزه، بل باتت الملاجئ والمخابئ هي الموطن البديل، حيث يلتهم القلق والانتظار ساعاتهم الطويلة، هذا النزوح القسري إلى "تحت الأرض" يمثل هزيمة نفسية كبرى، حيث يتحول المجتمع من حالة الهجوم والزهو بالقوة إلى حالة الدفاع الدائم والبحث عن الأمان المفقود، وهو ما يضغط بشدة على صانع القرار الإسرائيلي الذي يجد نفسه بين فكي كماشة: ضغط الشارع المنهك، وتحذيرات القادة العسكريين من استنزاف لا ينتهي.
حيث تتجلى الخسائر الإسرائيلية في الداخل في صورة شلل شبه تام أصاب مفاصل الدولة الحيوية، حيث لم يعد الضرر مقتصرًا على الجوانب العسكرية، بل امتد ليعصف بالبنية التحتية والاستقرار المجتمعي.

 فقد شهدت المطارات الدولية توقفات متكررة وتعطيلًا في حركة الملاحة الجوية نتيجة الرشقات الصاروخية التي استهدفت محيطها، ما تسبب في خسائر اقتصادية فادحة لقطاعي الطيران والسياحة، كما طال القصف مرافق استراتيجية شملت محطات للطاقة ومنشآت صناعية، مما أحدث خللاً في سلاسل الإمداد والخدمات الأساسية. وعلى الصعيد الإنساني والمجتمعي، اضطر مئات الآلاف من المستوطنين للنزوح نحو الملاجئ والمخابئ لفترات طويلة، ما أدى إلى توقف عجلة الإنتاج في المصانع والشركات، وتصاعدت حدة الضغوط النفسية والاجتماعية التي بدأت تنهك الجبهة الداخلية وتضعها أمام اختبار غير مسبوق لقدرتها على الصمود أمام استنزاف مادي ومعنوي مستمر.
وفي ظل هذا التخبط، بدأت تلوح في الأفق إمكانية وقف الحرب، لكنها إمكانية مشروطة لا تملك إسرائيل فيها ترف الإملاء. 

إن الشروط الإيرانية التي يتم تداولها في كواليس الدبلوماسية الدولية، أو التي تُفهم من سياق التصعيد، لم تعد تكتفي بوقف إطلاق النار، بل تذهب نحو إعادة صياغة التوازنات الإقليمية بالكامل. يتحدث المحللون عن ضرورة اعتراف إسرائيل بموازين القوة الجديدة، ووقف مسلسل الاغتيالات واستهداف السيادة، كجزء من صفقة شاملة قد تنهي فتيل الانفجار الكبير.

 الرعب الإسرائيلي هنا ليس من الحرب ذاتها، بل من "ثمن السلم" الذي قد يفرض عليها، وهو ثمن قد يتضمن تراجعاً تاريخياً عن طموحاتها الإقليمية وقبولاً بوجود إيراني فاعل ومؤثر لا يمكن تجاوزه.


إن المتابع للمشهد يرى بوضوح أن الاستراتيجية الإيرانية نجحت في نقل الرعب من الحدود إلى المخدع الإسرائيلي، فبينما كانت تل أبيب تراهن على ضرب العمق المالي الإيراني لزعزعة الاستقرار، ارتد السحر على الساحر، حيث تحولت المطارات والبنية الأساسية الإسرائيلية إلى نقاط ضعف مكشوفة.

 ومع استمرار إقامة المستوطنين في المخابئ، يصبح الوقت عدواً لإسرائيل وحليفاً لطهران، التي تتقن فن التفاوض تحت النار.

 إن وقف الحرب بشروط إيرانية لم يعد سيناريو مستبعداً، بل بات الخروج الوحيد من نفق مظلم قد يؤدي، في حال استمراره، إلى تفكك الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي لم تعد تحتمل ضريبة العيش في ظل النبوءات السوداء والواقع الميداني المرير الذي يفرضه الصمود والتخطيط الإيراني بعيد المدى.

 

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

الشروط الإيرانية تبتلع "عقيدة الردع" الإسرائيلية!

بقلم ياسر بركات