هزيمة المغرور بالصوت والصورة
في ليلة لم تشبه سابقاتها، أطل بنيامين نتنياهو على العالم بملامح بدت وكأنها خريطة للهزيمة؛ عيناه الغائرتان وصوته المترهل لم يعدا يحملان نبرة "الانتصار المطلق" التي طالما تشدق بها، كان يتحدث بلسان مرتعش عن إنجازات عسكرية لم تلمس أرض الواقع إلا بقتل المدنيين، بينما كانت لغة جسده تشي بنهاية حقبة، وبأن حلمه في محو النفوذ الإيراني عبر سياسة الاغتيالات قد ارتد وبالاً على كاهله.
لقد بدا نتنياهو في خطابه الأخير كمن يصارع الأمواج في الرمق الأخير، خاصة مع ظهور ملامح الانكسار الاستراتيجي بعد أن أدرك أن الدولة التي ظن أنها ستتهاوى بموت قادتها، قد ولدت من جديد في صورة أكثر شباباً وعنفواناً.
وفي اللحظة التي كان فيها الثنائي ترامب ونتنياهو ينتظران سماع أنباء التفكك والتقسيم في طهران، اخترق الصمت خطاب تاريخي نقلته الشاشات الإيرانية، ليعلن عن بدء مرحلة "الخروج الكبير" للهيمنة الأمريكية من الشرق الأوسط. لم يكن الخطاب مجرد رثاء، بل كان "إعلان حرب وجودية" بصوت المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، الذي وصفته الميديا العالمية بأنه المرشد الذي أعاده ترامب شاباً وفي أوج قوته.
لقد كان الخطاب بمثابة الصدمة الكهربائية التي أفاقت العالم على حقيقة مرعبة: أمريكا لم تغلق ملف إيران باستهداف خامنئي الأب، بل فتحت على نفسها أبواب جهنم التي لن تعرف كيف تغلقها للأبد.
بدأ مجتبى كلماته بمنتهى الثبات، واضعاً العالم أمام حقيقة اقتصادية مرة؛ حين أعلن صراحة أن مضيق هرمز سيبقى مغلقاً، وهو القرار الذي خنق الاقتصاد العالمي فور صدوره، ليعيد أسعار النفط إلى مربع المائة دولار، محطماً بذلك أوهام ترامب الذي ظن أنه كسر شوكة طهران. لكن الرعب الحقيقي تجلى في كشفه عن جبهات صراع جديدة، وصفها بأنها مساحات "يفتقر فيها الأعداء للخبرة"، وهي إشارة واضحة لساحات الحرب السيبرانية التي بدأت بالفعل في نهش جسد التكنولوجيا الأمريكية. فبينما كان الخطاب يتردد صداه، كانت مجموعة "حنظلة" تقتحم حصون مايكروسوفت وشركات التكنولوجيا الطبية، وتشن هجمات كاسحة على مراكز بيانات أمازون وجوجل في المنطقة، محولةً السحابة الإلكترونية إلى غيوم من الفوضى التقنية.
لم يتوقف المرشد الشاب عند حدود الاقتصاد والسيبرانية، بل وجه إنذاراً نهائياً ومباشراً لدول الجوار بضرورة إغلاق القواعد الأمريكية فوراً، معترفاً بضرب تلك القواعد التي استخدمت لقتل الشعب الإيراني. لقد وضع المنطقة أمام خيار تاريخي ثنائي: إما الجيرة والصداقة الصادقة، أو تحمل عواقب استضافة قواعد دكّها لن يتوقف حتى يرحل آخر جندي أمريكي عن تراب الشرق الأوسط. ولم ينسَ في غمرة الصراع الجانب الأخلاقي والمادي، حيث طالب بتعويضات مالية ضخمة عن كل قطرة دم وخسارة، مهدداً بمصادرة أصول أو قصف ممتلكات تعادل قيمتها في حال المماطلة، ليدخل العدو في دوامة من الاستنزاف المادي الذي لا ينتهي.
لكن الجرح الذي لم يندمل، والورقة التي قلبت الرأي العام العالمي، كانت دماء الأطفال في مدرسة "ميناب"، بكلمات تقطر بؤساً وبأساً، تحدث مجتبى عن جثة والده التي رآها صلبة كالجبال، لكنه أكد أن حق الأطفال الذين مزقتهم صواريخ "توماهوك" هو قضية مستقلة لن تغلق أبداً، هذا الربط بين صلابة القيادة ومظلومية الشعب جعل من ترامب يبدو وكأنه قام بأكبر عملية "تحديث" لخصمه؛ فبدلاً من مواجهة مرشد مثقل بالسنين، وجد نفسه أمام قائد شاب يمتلك طاقة المناورة وحزم المواجهة وذكاء التكتيك.
والآن، ومع تهديدات إغلاق مضايق أخرى مثل باب المندب، يدرك العالم أننا بصدد أزمة طاقة عالمية ستجعل من السبعينات مجرد ذكرى عابرة، وأن "المرشد الشاب" قد بدأ فعلياً في كتابة السطر الأخير من قصة الوجود الأمريكي في المنطقة.