حين أربكت صواريخ إيران حسابات العالم
هل "هل" البدر في سماء فلسطين "بدري"؟
في ليلة لم تكن كغيرها، وتحت سماء فلسطين التي يراقب أهلها الشهب والصواريخ بأملٍ لا ينقطع، انطلقت تساؤلات تملأ الشوارع والمنصات: هل اقترب الوعد؟ وهل "سيغيب" الاحتلال في توقيت لم يتوقعه أحد؟ العنوان اليوم ليس مجرد استعارة، بل هو تساؤل عن حقيقة ما جرى في الغرف المغلقة والحصون التي كانت تظن أنها محصنة.
بدأ الأمر بأخبار تم تداولها كالنار في الهشيم، تتحدث عن نجاح إيران في استهداف مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته رفقة مجموعة من القادة.
وما زاد الطين بلة وأثار ريبة المراقبين، هو ظهور مقطع فيديو لنتنياهو بدا فيه وكأن له "ستة أصابع" في إحدى يديه ، مما دفع الكثيرين للقول بأن الفيديو "مُصطنع" عبر الذكاء الاصطناعي لتغطية غيابه الحقيقي أو إصابته.
زاد الشك حين خرج بيان من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بصياغة غريبة، حيث قال: "الشائعات المتداولة حول وضع رئيس الوزراء غير مؤكدة"، ثم حذف سريعا. هذا المنشور بصياغته وحذفه بدلاً من أن يطمئن الداخل الإسرائيلي، أثار حالة من الرعب؛ فالعادة هي النفي القاطع، أما كلمة "غير مؤكدة" فهي في لغة السياسة تعني أن هناك أمراً ما يتم إخفاؤه خلف الستار، ثم الحذف السريع للمنشور أكد الشكوك لدى الكثيرين.
لم يتوقف الأمر عند حدود الإشاعات المحلية، بل دخلت مصادر من كوريا الشمالية والهند وتركيا على خط الجبهة الإعلامية، مؤكدة أن الضربة الإيرانية كانت "جراحية" ودقيقة للغاية، وأحدثت خسائر في صفوف القيادة العليا لم تعترف بها إسرائيل بعد، هذه المصادر أشارت إلى أن إيران لم تكتفِ بالرد العسكري التقليدي، بل نجحت في الوصول إلى "بنك أهداف" يضم عشرة مواقع حساسة لقادة إسرائيليين بارزين، وهو ما يفسر حالة الارتباك الصامتة في تل أبيب.
حجم الخسائر الحقيقي الذي تسببت فيه إيران في ضرباتها الأخيرة يبدو أكبر بكثير مما يُسمح بنشره. فقد طال الاستهداف قاعدة "نيفاتيم" الجوية، وهي فخر الصناعة العسكرية والحصن الحصين لطائرات إف-35، كما امتدت النيران لتطول مراكز اقتصادية حيوية لم يتوقع أحد أن تصل إليها يد الصراع بهذا الوضوح.
ولم يتوقف التصعيد عند استهداف القادة فحسب، بل امتدت النيران لتطول "العقل المدبر" للكيان، حيث تواترت الأنباء عن استهداف دقيق لمبنى الاستخبارات الإسرائيلية، هذا المبنى الذي يُعد مخزن الأسرار وغرفة العمليات التي تُدار منها الاغتيالات والمؤامرات، تعرض لضربة وصفتها مصادر غير رسمية بأنها "زلزال أمني"، استهداف هذا المركز تحديداً يعني أن بنك الأهداف الإيراني قد تجاوز مرحلة الردع التقليدي إلى مرحلة "شل القدرة" على التفكير والتخطيط، مما وضع أجهزة الأمن الإسرائيلية في حالة من الذهول والخرس المطبق.
ومن أكثر الضربات إيلاماً للاقتصاد المرتبط بالمنظومة الغربية، هو استهداف مركز دبي المالي العالمي (DIFC). هذا المركز ليس مجرد مبنى، بل هو المقر الإقليمي لكبرى البنوك والشركات العالمية، والمتهم دائما بالتعامل في تبييض الاموال عالميا. ثم استهداف مقر فرع سيتي بنك في الامارات؛ بعث برسالة واضحة: أن مصالح كل من يدعم الكيان في المنطقة باتت في مرمى النيران، وأن الاقتصاد "لا يحمي أحداً" حين تقرر طهران فتح جبهة الصراع الشامل.
لم تكن أمريكا بعيدة عن هذه "الزلزلة"؛ فقد تعرضت تجمعات القادة الأمريكيين في قواعد عسكرية كبرى لضربات متزامنة. من قاعدة "فيكتوريا" و"أربيل" في العراق، إلى قاعدة "الملك سلطان" في السعودية، وصولاً إلى العمق الإسرائيلي، إيران قررت أن تكسر "هيبة" القواعد التي كانت تُعتبر نقاط انطلاق لحماية الكيان وتأمين النفوذ الأمريكي في المنطقة.
ما يحدث اليوم هو أبعد من مجرد "رشقات صاروخية"؛ إنه تحول في موازين القوى. الصمت الإسرائيلي المريب، والفيديوهات المشكوك في صحتها لنتنياهو، والبيانات الرسمية المهتزة، كلها تشير إلى أن "الكابوس" الذي كانت تتباهى به إسرائيل وأمريكا في سماء المنطقة بدأ يغيب أو ينكسف.
إن القارئ البسيط يدرك بالفطرة أن الجدران العالية لم تعد تحمي أصحابها، وأن التكنولوجيا التي كانوا يرهبون بها الشعوب باتت تُستخدم ضدهم لتزييف صورهم وإخفاء جراحهم.
وسواء تأكدت الأنباء عن مصير نتنياهو أم بقيت في طي الكتمان، فإن الحقيقة الثابتة هي أن الخوف انتقل من بيوت المستضعفين إلى مخابئ القادة، وأن "البدر" في سماء فلسطين بات يضيء طريقاً جديداً، طريقاً يبدو فيه النصر "بدري" وقريباً أكثر مما يتخيله الكثيرون.