مصر وإيران في مواجهة "فقاعات" الوهم
في فضاء الصحافة، لا يُعد القلم مجرد أداة للكتابة، بل هو ميثاق أخلاقي وجسر يربط بين وجدان الشعوب ولكن، حين تنحدر هذه الأمانة إلى درك السطحية أو المكايدة، فإنها لا تخدش وجه الحقيقة بقدر ما تعري عجز كاتبها، مقال الكاتب فؤاد الهاشم الأخير لم يكن مجرد كبوة مهنية عابرة، بل كان نافذة كشفت عن خلل عميق في الرؤية، وظنٍ واهم بأن التطاول على الشعوب الراسخة يندرج تحت بند "براعة القلم"، بينما هو في جوهره "إعلان عجز" عن إدراك عظمة كينونة بحجم مصر.
إن محاولة كاتب اختزال مصر في نكتة سمجة أو مشهد عابر لا تُعد هجوماً على دولة، بل هي توقيع شخصي على "شهادة وفاة ثقافية". فمصر، التي شيدت حضارة تمتد لآلاف السنين، أكبر من أن تُحصر في زاوية ضيقة بذهن باحث عن الضجيج، هي ليست مجرد محطة عابرة أو حكاية تُروى في مجالس الغرور؛ بل هي كيان عصي على الفهم السطحي. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للصحافة؛ فهي موقف أخلاقي وقيمة إنسانية، ومن تجرد من القيمة، لم يتبقَّ له سوى صدى صوته الصاخب الذي سرعان ما يتبدد في رياح النسيان.
الرد الحقيقي على هذا التطاول لم يأتِ من القاهرة التي تترفع بمؤسساتها عن المهاترات، بل جاء من قلب الكويت ومن مثقفي الخليج الأوفياء في السعودية وعُمان وقطر، كان رد القامة الثقافية "بابطين" ورفاقه بمثابة درس في الوفاء والوعي، حين استلهموا ذكريات صباهم في أروقة مصر، مؤكدين أن "كل يرى بعين طبعه"؛ فمن يبحث عن الضياء والتنوع في مصر سيجده، ومن لا يرى إلا السواد فذلك انعكاس لما في دخيلته. هؤلاء المثقفون أثبتوا أن الروابط الأخوية أسمى من أن تعبث بها كلمات "اختصرت" صاحبها قبل أن تجرؤ على اختصار شعب.
هذا الجهل بطبائع الدول وعمقها لا يقتصر على عالم المقالات، بل يمتد إلى "صقور" واشنطن، فالرئيس دونالد ترامب وإدارته، حين يهددون بسحق بنية الطاقة الإيرانية في "ليلة وضحاها"، يسقطون في فخ "السطحية الجغرافية"، إيران ليست مجرد نقطة على الخريطة؛ إنها "عملاق تقني" يمتلك شركة "مابنا" العالمية التي تصنع التوربينات والمعدات الحيوية محلياً، هذا يعني أن طهران لا تنتظر "إذناً" أو قطع غيار من الغرب؛ فلديها جيش من المهندسين القادرين على الترميم الذاتي السريع، مما ساعدها على الاستمرار في سنوات حصار العقوبات. بإنتاج يتجاوز 90 جيجاوات وربط كهربائي بسبع دول جارة، تمتلك طهران "نفساً طويلاً" يجعل تدمير شبكتها مجرد خيال علمي، خاصة مع وجود مراكز تحكم محصنة تحت الأرض.
إن التلويح بتدمير شبكات الكهرباء والبنية التحتية المدنية لا يمثل عجزاً تقنياً فحسب، بل هو اختراق صريح لقواعد القانون الدولي الذي يحرم استهداف المنشآت الحيوية للحياة المدنية، تماماً كما اخترق هذا "الهاشم" بكلماته قواعد الصحافة ومواثيق الشرف المهني.
فالمساواة هنا تكمن في "الخروج عن المعايير"؛ فالأولى جريمة سياسية ضد الإنسانية، والثانية سقطة أخلاقية ضد الكرامة، وكلاهما يعكس عقلية لا تؤمن إلا بلغة القوة أو الاستعلاء دون اعتبار للضوابط المنظمة للمجتمع الدولي أو المجتمع الصحفي.
والمفارقة الصادمة تظهر عند مقارنة هذا العمق الجغرافي الإيراني ببنية الطاقة الإسرائيلية؛ فالأخيرة تتركز في شريط ساحلي ضيق يمثل "خاصرة رخوة" عسكرياً، إسرائيل التي تعيش كـ "جزيرة طاقة" معزولة عن جيرانها، تعتمد كلياً على إنتاجها الداخلي ومنصات الغاز البحرية، هذا الواقع التقني يمنح طهران القدرة، عبر أقل من سبعة صواريخ دقيقة، على إغراق الكيان في ظلام دامس يمتد لشهور ويشل مفاصله الحيوية تماماً.
في الختام، يبرز خيط رفيع يربط بين كاتب يختزل شعباً في مقال، وسياسي يختزل قوة دولة في تهديد أجوف، كلاهما يصطدم بصخرة الواقع؛ فمصر ستبقى عصية على الاختزال، وإيران ستبقى محصنة بعمقها وتقنياتها، بينما يكتشف الغرور دائماً —سواء كان حبراً على ورق أو باروداً في الهواء— أنه حين يتطاول على العمالقة، لا يفعل شيئاً سوى كشف ضآلة حجمه الحقيقي