فاتورة خسائر العدو فى لبنان ماذا فعلت صواريخ حزب الله ؟
لا تتصور أن ما تنقله محطات العدو عن حرب الكيان ضد الجنوب اللبنانى صحيحا .. فهم يروجون لتدمير البنية التحتية اللبنانية والحقيقة أن التدمير الحقيقى هو للاقتصاد الصهيونى بفاتورة ضخمة للغاية حيث تحولت لغة الصواريخ والمسيرات إلى أداة وحيدة لقياس حجم الانكسارات والمكاسب في حرب استنزاف لا ترحم.
في الجانب الإسرائيلي، لم تعد الخسائر مجرد أرقام في تقارير عسكرية، بل تحولت إلى تصدع بنيوي طال عمق المجتمع والاقتصاد؛ إذ تسبب القصف المركز من حزب الله باستخدام صواريخ بركان والمسيرات الانقضاضية المتطورة في تدمير شبه كامل للبنية التحتية في مستوطنات الجليل الأعلى، حيث تحولت إلى مناطق منكوبة عجزت فرق الإطفاء والإنقاذ عن دخولها لعدة أيام.
وتكبدت الميزانية الإسرائيلية فاتورة باهظة جراء شلل القطاع الزراعي في الشمال الذي يمد البلاد بـ 70% من حاجتها من الفواكه والدواجن، فضلاً عن توقف مئات المصانع التكنولوجية التي هجرها أصحابها خوفاً من الاستهداف الدقيق. أما الكلفة العسكرية المباشرة، فقد سجلت أرقاماً قياسية نتيجة استهلاك مخزون صواريخ "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" التي تبلغ كلفة الاعتراض الواحد فيها ملايين الدولارات، مقابل مسيرات رخيصة الثمن يطلقها الحزب بكثافة، ما أدى إلى نزيف مالي حاد في موازنة الدفاع الإسرائيلية دفع بمعدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة ترافقت مع هبوط حاد في قيمة الشيكل وتراجع الاستثمارات الأجنبية نتيجة فقدان الأمن الجوي في مطار بن جوريون والموانئ الرئيسية.
ولم تكن جبهة جبل الشيخ بمنأى عن هذا التصعيد، بل تحولت قمة الجبل الاستراتيجية، التي تصفها إسرائيل بـ "عين الدولة"، إلى ساحة مواجهة ضارية أفقدتها الكثير من قيمتها الاستخباراتية والعسكرية؛ حيث تعرضت مراكز الرصد والإنذار المبكر والتنصت المتطورة في القمم المحتلة لضربات صاروخية مركزة من حزب الله أدت إلى خروج أجزاء واسعة منها عن الخدمة، مما أصاب منظومة الاستطلاع الإسرائيلية بـ "العمى" الجزئي في رصد التحركات داخل العمقين اللبناني والسوري. هذا الاستهداف المباشر لقمم جبل الشيخ لم يدمر الأجهزة التقنية فحسب، بل أجبر قوات الاحتلال على إخلاء مواقع حيوية نتيجة الانهيارات الصخرية والقصف المستمر، مما حول المرفق السياحي الشهير إلى ثكنة محترقة ومهجورة، مكبدة قطاع السياحة الشتوي خسائر بمئات الملايين من الدولارات، بينما تحولت المنحدرات التي كانت مقصداً للرفاهية إلى ممرات للنار تحت مراقبة نيران الحزب التي باتت تطال كل زاوية في هذا المرتفع السيادي.
وعلى الضفة الأخرى من النزيف، يدفع لبنان ضريبة قاسية ومضاعفة؛ فبينما يواجه حزب الله خسائر نوعية في كوادره القيادية والميدانية نتيجة عمليات الاغتيال الدقيقة والغارات المكثفة التي استهدفت مخازن سلاحه وشبكات اتصالاته في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يعيش المجتمع اللبناني مأساة إنسانية ومعيشية تفوق قدرته على الاحتمال. لقد اتبعت آلة الحرب الإسرائيلية سياسة التدمير الممنهج للقرى الحدودية، حيث سويت أحياء كاملة بالأرض في بلدات مثل عيتا الشعب وميس الجبل، وبلغت خسائر القطاع السكني اللبناني مليارات الدولارات مع تدمير آلاف الوحدات السكنية والمنشآت التجارية.
ولم يقتصر الدمار على الحجر، بل امتد ليضرب رئة لبنان الزراعية في الجنوب، حيث تسببت القنابل الفسفورية في احتراق مساحات شاسعة من أشجار الزيتون المعمرة، ما أدى إلى تلوث التربة وخسارة محاصيل استراتيجية يعتمد عليها آلاف المزارعين الذين نزحوا قسراً نحو بيروت والشمال، ليتجاوز عدد النازحين اللبنانيين المليون شخص يعيشون في ظروف قاسية وضعت الدولة اللبنانية المنهكة مالياً أمام عجز كامل عن توفير الإيواء أو الغذاء.
تتشابك هذه الخسائر لتخلق واقعاً كارثياً؛ ففي حين يعاني المحتل من ضغوط نفسية واقتصادية ناتجة عن تهجير مستوطنيه وفشل منظوماته الدفاعية في تأمين مدنه الكبرى، يغرق لبنان في دوامة من الدمار الذي طال الجسور ومحطات الكهرباء والمستشفيات التي خرجت بعضها عن الخدمة نتيجة نقص الوقود والاستهداف المباشر.
إن حجم التدمير في البنية التحتية اللبنانية أعاد البلاد سنوات إلى الوراء، حيث تقدر تقارير دولية أن إعادة إعمار ما دمرته الحرب في عام 2026 قد تتطلب عقداً من الزمن ومليارات الدولارات التي تفتقر إليها الخزينة اللبنانية. وفي نهاية المطاف، يبقى الصراع مفتوحاً على فاتورة دماء لا تتوقف، حيث يقابل كل استهداف لموقع عسكري إسرائيلي تدمير لحي مدني لبناني، لتصبح الحرب في جوهرها عملية تكسير عظام متبادلة يراهن فيها كل طرف على قدرة جبهته الداخلية على تحمل الوجع الاقتصادي والبشري الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء المرسومة سابقاً، تاركاً المنطقة أمام مشهد من الرماد الذي يغطي الحدود والمدن على السواء.