هل اقتربت النهاية؟ انكسار الأسطورة الصهيونية

ياسر بركات
ياسر بركات

في لحظة فارقة من تاريخ الصراع في الشرق الأوسط، وتحديداً في هذا اليوم التاسع والعشرين من مارس لعام 2026، يبدو أن المشهد الذي ساد لعقود من الغطرسة العسكرية الإسرائيلية قد تهاوى تماماً. لم تعد البيانات الصادرة عن تل أبيب تتحدث عن "اليد الطولى" أو "الردع الحاسم"، بل استبدلتها بنبرة انكسار لم يعهدها العالم من قبل.

 

فبعد ليلة ليلاء عاشها الكيان تحت رحمة الصواريخ الإيرانية المجنحة والمسيرات الانقضاضية التي انهمرت كالمطر من كل حدب وصوب، وقف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في خطاب دراماتيكي، ليس ليعلن عن نصر مؤزر، بل ليوجه استغاثة عاجلة للدول الأوروبية بضرورة التدخل السريع، مؤكداً بكلمات ترجف لها الأركان أن الجيش الإسرائيلي يفقد قدراته العسكرية وتوازنه العملياتي بشكل متسارع أمام استمرار هذه الضربات النوعية التي شلت مفاصل الكيان بالكامل.


هذه الاستغاثة ليست مجرد تصريح عابر، بل هي اعتراف ضمني بأن إسرائيل باتت "قاب قوسين أو أدنى" من إعلان الاستسلام الرسمي فالضربات الإيرانية التي استهدفت العمق الاستراتيجي، بالتزامن مع عمليات نوعية نفذها "أنصار الله" في اليمن باستخدام صواريخ مجنحة ومسيرات طالت أهدافاً حيوية في جنوب إسرائيل، قد أحدثت ثقباً أسود في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية. 

 

المتحدث باسم الحوثيين أكد بوضوح أن هذه العمليات نفذت بتنسيق كامل مع إيران وحزب الله، وأنها حققت أهدافها بنجاح باهر، متوعداً بالاستمرار حتى يتوقف العدوان على إيران. هذا التلاحم الميداني وضع إسرائيل في كماشة نارية لم تستطع التكنولوجيا الغربية حمايتها منها، ليتحول "الجيش الذي لا يقهر" إلى كيان يبحث عن طوق نجاة أوروبي أو أمريكي يوقف نزيف الملاجئ الذي بات يهدد وجود الكيان من جذوره.


وفي خضم هذا الانهيار العسكري، خرج دونالد ترامب من ميامي، في خطاب اتسم بـ "البجاحة" والمكاشفة الصادمة خلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، ليرمي بالكرة في الملعب السعودي بشكل علني وفج ترامب، بلهجته التي لا تعترف بالدبلوماسية، وجه رسالة مباشرة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مدعياً أن واشنطن قد "أخرجت إيران من اللعبة بشكل كبير" وأزاحت التهديد عن طريق الرياض، مطالباً إياها بالانضمام الفوري لاتفاقيات "أبراهام" ترامب كشف عن كواليس حواراته السابقة، مشيراً إلى أن مبررات التأجيل السعودية المرتبطة بشروط معينة لم تعد قائمة من وجهة نظره، محاولاً إغراء الرياض بمكاسب "اقتصاد ما بعد الحرب" لبناء شرق أوسط جديد يقوم على أنقاض الهوية الدينية والسياسية للمنطقة.


إلا أن هذا التجاوز الترامبي في حق المملكة العربية السعودية، والذي حمل نبرة استعلائية، لا ينتقص من قدر السعودية بل يزيدها شرفاً وتأكيداً على ثبات موقفها. فإلحاح ترامب العلني وصراخه السياسي يعني بوضوح أن السعودية لا تزال صخرة تتحطم عليها مخططاتهم؛ فهي ترفض حتى اللحظة الانخراط في تحالف عسكري مع إسرائيل لضرب إيران، وتتمسك بشروطها السياسية والسيادية رافضة التطبيع المجاني ضمن المشروع "الإبراهيمي" الماسوني.

 

إن محاولة ترامب فرض واقع سياسي جديد قبل أن تضع الحرب أوزارها تعكس مدى حاجة واشنطن وتل أبيب لغطاء عربي يشرعن هزيمتهم النكراء أمام محور المقاومة، وهو ما يستدعي من كافة القوى الشريفة دعم الموقف السعودي وتحييده عن الانزلاق في هذه المحرقة التي تهدف لتصفية القضية الفلسطينية والهوية الإسلامية للمنطقة.


إننا نشهد اليوم مشهد "خاتمة الغطرسة"؛ فبينما تتوسل إسرائيل للعواصم الأوروبية لإنقاذ ما تبقى من هيبتها المبعثرة تحت أنقاض القواعد العسكرية المحترقة بالصواريخ المجنحة، يحاول ترامب بيع "أوهام النصر" للعرب عبر صفقات التطبيع المشبوهة، ولكن الواقع على الأرض يقول إن "صاحب الشفت الليلي" في طهران وصنعاء وجنوب لبنان هو من يكتب السطور الأخيرة لهذا الفصل من التاريخ.

 

إسرائيل التي اعتمدت لعقود على السلاح الأمريكي، تكتشف اليوم أن السلاح لا يحمي كياناً فاقداً للشرعية والروح، وأن الاستغاثات التي تطلقها اليوم هي نذير النهاية لمشروع استعماري ظن يوماً أنه سيبقى للأبد، ليبقى التساؤل المعلق في فضاء المنطقة: هل تستجيب الرياض لنداء ترامب المسموم، أم تظل على عهدها في حماية بيضة الإسلام ورفض التنازل عن الثوابت مهما بلغت الضغوط؟ الإجابة تكمن في صمود الميدان الذي أثبت أن عصر الهيمنة قد ولى بلا رجعة.

تم نسخ الرابط
اسم الكاتب

مقال رئيس التحرير

هل اقتربت النهاية؟ انكسار الأسطورة الصهيونية

بقلم ياسر بركات