ما وراء الدخان.. هل يكتب الجنوب اللبناني سطر النهاية فى العقيدةالصهيونية ؟
حين نجلس اليوم لنطالع خارطة الصراع في الشرق الأوسط، وتحديداً فوق رقعة الجنوب اللبناني، نجد أنفسنا أمام مشهد يتجاوز حدود المناوشة الحدودية ليلامس تخوم الصراع الوجودي، إن ما يجري في تلك الأرض المجبولة بالدم والأرز ليس مجرد صدى لمدافع، بل هو فصل جديد في كتاب التحولات الكبرى الذي تعاد كتابته الآن في مراكز صنع القرار من واشنطن إلى طهران، مروراً بتل أبيب وبيروت.
إن المقاومة في الجنوب لم تعد مجرد فصيل مسلح، بل تحولت إلى ظاهرة إستراتيجية عصية على الكسر التقليدي،
فبرغم التفوق التكنولوجي الهائل، وإستخدام الذكاء الإصطناعي في تحديد الأهداف، وجد الجيش الإسرائيلي نفسه أمام مقاتل شبح يجيد قراءة الجغرافيا كما يجيد لغة الصواريخ، إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على الحروب الخاطفة قد تآكلت فوق صخور عيتا الشعب وبنت جبيل، ولا يمكن لعين منصفة أن تغفل ما تصفه بعض التقارير الحقوقية الدولية بـ سياسة الأرض المحروقة، إن ما ترتكبه إسرائيل اليوم في الجنوب اللبناني، وما سبقه في غزة، يمثل خروجاً كاملاً عن قواعد الإشتباك التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
لقد إنتقلت العقلية العسكرية الإسرائيلية من ضرب الأهداف العسكرية إلى تدمير البيئة الحاضنة ، نحن هنا أمام توحش تكنولوجي يستخدم أحدث ما أنتجته المصانع الغربية من قنابل خارقة للحصون لهدم بيوت القرويين وبنى تحتية متهالكة أصلاً ،الغرب الذي طالما تغنى بـ القيم الليبرالية، يجد نفسه اليوم في موقف أخلاقي محرج، إن حجم الدمار في القرى الحدودية يتجاوز منطق الضرورة العسكرية إلى خانة الإنتقام الإستراتيجي.
لقد أظهرت المقاومة في الجنوب قدرة مذهلة على التكيف الإستراتيجي ، هي لم تكتفِ بالدفاع، بل نقلت المعركة إلى الوعي الإسرائيلي ، حين يتم إخلاء شمال فلسطين المحتلة من مستوطنيه لشهور طويلة، فإننا لا نتحدث هنا عن نصر عسكري فحسب، بل عن شرخ في العقيدة الصهيونية التي قامت على فكرة الأمن المطلق.
المقاومة اليوم تدير معركتها بـ أعصاب باردة، تدرك توازنات القوى الدولية، وتعرف متى ترفع وتيرة الضغط ومتى تمارس ضبط النفس الذي هو في جوهره قوة مقتدرة لا ضعف مستكين ،
إن الجنوب اللبناني اليوم ليس مجرد جبهة مساندة، بل هو قلب الحدث ، وإسرائيل برغم كل ما تملكه من ترسانة، تجد نفسها أمام حقيقة تاريخية تقول ، إن الجيوش قد تحتل الأرض، لكنها أبداً لا تملك إرادة الشعوب.
نحن نعيش لحظة سيولة إستراتيجية كبرى وما تظنه إسرائيل حسماً بقوة النار، قد لا يكون إلا وقوداً لثورة قادمة أشد ضراوة ، إن التاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة، والجنوب اللبناني، بعناده وصموده، يثبت كل يوم أن منطق القوة ليس هو الكلمة الأخيرة في صراع الإرادات.