المواجهة الإيرانية الأمريكية تدخل نفق الإنتحار
طبول الحرب العالمية تقرع في بحر قزوين
تعيش منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره ساعات هي الأكثر خطورة منذ عقود، حيث تحول التصعيد العسكري بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، إلى مواجهة مفتوحة تجاوزت الحدود الجغرافية التقليدية لتطرق أبواب الأمن القومي الروسي في بحر قزوين.
فمع حلول يوم الخميس، سجلت المنطقة تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك، بعدما أعلنت إسرائيل تصديها لرابع هجوم صاروخي إيراني مكثف خلال ساعات قليلة، استهدف قلب تل أبيب ومناطق واسعة في الشمال والوسط، مما أدى إلى دوي صفارات الإنذار ونشر حالة من الرعب في صفوف المستوطنين، وسط تقارير عبرية تكشف عن تصدعات خطيرة في أسطورة التفوق التقني لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.
وفيما تدعي الرواية الرسمية الإسرائيلية اعتراض معظم الصواريخ، كشفت تقارير صادمة للقناة 13 العبرية عما وصفته بـ"الإنهيار الصامت" في المنظومات الدفاعية، حيث بدأ الجيش الإسرائيلي اللجوء إلى سياسة "الترقيع العسكري" عبر استخدام أنظمة بدائية وغير مخصصة لإعتراض الصواريخ الباليستية، نتيجة النقص الحاد في صواريخ "حيتس" المتطورة وخلافات مالية حادة بين وزارتي الدفاع والمالية عطلت خطوط الإنتاج. هذا الاستنزاف الدفاعي ترافق مع نجاح عشرة صواريخ إيرانية في اختراق الدرع الصاروخي وضرب أهداف حيوية بشكل مباشر، شملت مصنعاً للكيماويات في بئر السبع ومصفاة النفط في حيفا، بالإضافة إلى إصابة مبانٍ في شفا عمرو، وهو ما يضع "التفوق التقني" الإسرائيلي أمام اختبار الفشل أمام كثافة النيران وتعدد الجبهات.
الرد الإسرائيلي لم يتأخر، حيث شنت طائرات الإحتلال غارات عنيفة استهدفت العاصمة طهران ومدناً استراتيجية مثل الأهواز وشيراز، مركزة ضرباتها على منشآت تصنيع الأسلحة ومواقع تابعة للحرس الثوري، وسط أنباء عن استخدام ذخائر عنقودية زادت من وتيرة المخاوف الإنسانية.
غير أن التحول الأكثر دراماتيكية تمثل في نقل إسرائيل لعملياتها إلى "الحديقة الخلفية" لروسيا، عبر استهداف ميناء "بندر أنزلي" الإيراني على بحر قزوين في 18 مارس، في رسالة مباشرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تهدف لقطع شريان الحياة اللوجستي الذي يربط طهران بموسكو، خاصة فيما يتعلق بمسيرات "شاهد" المستخدمة في حرب أوكرانيا.
هذا التحرش العسكري في بحر قزوين استدعى غضباً روسياً غير مسبوق، حيث وصفت الخارجية الروسية عبر ماريا زاخاروفا وسيرجي لافروف تلك الضربات بأنها "خط أحمر" يهدد الأمن الغذائي والتجاري الروسي.
واتهمت موسكو إسرائيل والولايات المتحدة بجر منطقة كانت واحة للتعاون إلى قلب الصراع المسلح، محذرة من أن تصعيد الأزمة حول إيران ينذر بتحولها إلى حريق هائل سيمتد إلى العالم أجمع، في إشارة واضحة إلى إحتمال تدخل عسكري روسي مباشر لحماية مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يجعل العالم يقف فعلياً على أعتاب حرب عالمية ثالثة.
على الضفة الأخرى، صعدت الولايات المتحدة من لهجتها العدائية، حيث جدد الرئيس دونالد ترامب تهديده بتوجيه ضربات "قاسية" لطهران، في وقت كشف فيه الجيش الأمريكي عن تنفيذ آلاف الضربات ضد أهداف إيرانية منذ فبراير الماضي.
هذا الدعم الأمريكي المطلق دفع إسرائيل لتوسيع دائرة الإستهداف لتشمل ميناء "بندر عباس" واغتيال قيادات بحرية رفيعة، من بينهم قائد البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري، وصولاً إلى قصف رصيف الركاب المدني في ميناء "شهيد حقاني" مطلع أبريل الجاري، وهي خطوة تعكس رغبة في نقل الحرب إلى الحياة اليومية للشعب الإيراني وتحويلها إلى جحيم معيشي.
إيران من جانبها أثبتت أنها خصم يصعب تجاوزه، حيث انتقلت إلى إستراتيجية "الهجوم المتزامن المُنهك" بالتنسيق مع الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان.
الهجمات الصاروخية والمسيّرة القادمة من اليمن، والتي تزامنت مع الموجات الإيرانية، وضعت الدفاعات الإسرائيلية تحت ضغط متعدد الجبهات، مما أدى إلى توزيع الجهد الدفاعي وإستنزاف المخزون الإستراتيجي من الصواريخ الإعتراضية غالية الثمن. هذا التنسيق الميداني العالي يؤكد أن الحرب لم تعد صراعاً ثنائياً، بل أصبحت مواجهة إقليمية مفتوحة تهدد الملاحة في البحر الأحمر وتغير موازين القوى في المنطقة.
إن المشهد الحالي يشير إلى أن جميع الأطراف تورطت في "لعبة نهاية العالم"؛ فالاستمرار في التصعيد يعني انتحاراً جماعياً، والتراجع يبدو صعباً في ظل الخطابات المتشددة.
ومع وصول عدد الهجمات المؤثرة ضد إسرائيل إلى 88 هجمة منذ بداية الحرب، يتضح أن المسار العسكري لم ينجح في كسر الإرادة الإيرانية، بل دفع طهران لترسيخ مكانتها كقوة إقليمية كبرى.
لا يوجد مخرج من هذا النفق المظلم سوى باتفاق دبلوماسي شامل يعيد صياغة التوازنات، قبل أن تتحول شرارة في بحر قزوين أو طلقة طائشة في مضيق هرمز إلى انفجار كوني لا يملك أحد القدرة على إحتوائه. فالغضب الطالع من موسكو، والتحفز في طهران، والإرتباك الدفاعي في تل أبيب، كلها مؤشرات تقول إن العالم لم يعد كما كان، وأن الـ 50 عاماً القادمة ستُكتب بمداد من الفكر السياسي والديني الجديد الذي تشكله نيران هذه المواجهة.